تاريخ ومزارات

لاجين بين السيف والتوبة.. السلطان الذي غلبه ضميره

في أحياء القاهرة القديمة، حيث تتداخل أصوات الباعة مع صدى الحكايات الشعبية، كانت قصة حسام الدين لاجين حاضرة في أحاديث الناس، وكأنها أسطورة من زمن المماليك، حيث بدأ لاجين حياته مملوكًا في قصر السلطان المنصور قلاوون، لكنه تمكن من أن يصعد درجات المجد حتى جلس على عرش السلطنة، ليرحل باكيًا عليه الشعب الذي لم يكن يتوقع أن يحبه يوما، لم تكن حكايته مجرد مسيرة من عبد إلى سلطان، بل كانت فصلاً طويلًا من التناقضات والتحولات التي جعلته أحد أكثر الشخصيات إثارة في التاريخ الإسلامي.

قصة حسام الدين لاجين

لاجين ولد في أراض بعيدة عرفت في زمنه بجرمانيا، ولم يتوقع أحد أن يصبح هذا الفتى الجرماني حاكمًا لمصر والشام والحجاز، كما وصل إلى بلاط قلاوون مملوكًا، وتميز بذكاء فطري ساعده على التدرج في المناصب حتى أصبح نائب السلطان في بلاد الشام، وهناك بدأت ملامح شخصيته المتناقضة في الظهور.

في أعين أمراء المماليك، عاش لاجين حياة طائشة ماجنة، لكنه في نظر أهل الشام كان حاكمًا عادلًا، ينصف الضعفاء ويحكم بينهم بالقسط، هذا التناقض الغريب رسم ملامح شخصية لم يستطع أحد فهمها بسهولة، وكأن لاجين حمل في داخله وجهين لا يلتقيان.

عقب وفاة قلاوون، شارك لاجين الأمراء في مبايعة الأشرف خليل، لكنه ما لبث أن انقلب عليه وساهم في اغتياله، ثم التحق بخدمة الناصر محمد، ابن قلاوون الصغير، لكنه تحالف مع الأمير كتبغا لخلعه، وما إن استتب له الأمر، حتى انقلب على كتبغا، وأعلن نفسه سلطانًا عام 1296، في تحول لم يتوقعه أقرب الناس إليه.

عند اعتلائه العرش، ظن الجميع أن السلطان الجديد سيواصل حياته القديمة، لكن السلطة التي أفسدت كثيرين من قبله، أيقظت فيه روحًا أخرى، لاجين تحوّل إلى سلطان إصلاحي، يسعى لتحقيق العدالة ويرفع الظلم عن الرعية، ليبدأ صفحة مختلفة في تاريخ حكم المماليك.

في واقعة لافتة، وقف قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد رافضًا تنفيذ حكم يصب في مصلحة أحد مقربي السلطان، وخلع نفسه من منصبه احتجاجًا، لاجين لم يغضب، بل قابل القاضي بالحكمة وأعاده إلى منصبه، ورفض مطلب نائبه، كما كانت تلك اللحظة مؤشرًا على احترامه لاستقلال القضاء، وهي سابقة نادرة بين سلاطين المماليك.

ثم أطلق لاجين سراح أبناء الظاهر بيبرس وأعاد الخليفة العباسي من إقامته الجبرية، وسمح له بالتجول بين الناس، كما رمم مسجد ابن طولون الذي لجأ إليه قديمًا، تبنّى سياسة تقشفية، حارب الغلاء، وفرّ السلع الأساسية للشعب، وألغى ضرائب كثيرة، وفي إحدى خطبه قال عبارة لم تُنسَ، وعد فيها بعدم الإبقاء على أي ضريبة إن بقي حيًا.

مع الوقت، أحبته العامة بعد أن كرهته، وانشغلت بذكر ورعه وعدله بدلًا من ماضيه الفاسد، لكن هذا الحب لم يشفع له عند أمراء المماليك، خاصة بعد تطبيقه سياسة الروك الحسامي، التي قسمت أراضي مصر لصالح مماليكه المقربين، مما أثار غضب باقي الأمراء، كما زاد تقريبه من تلميذه منكوتمر حدة التوتر.

في ليلة من ليالي عام 1299، لاح في السماء نجم له ذيل مضيء، نظر إليه لاجين بعين حائرة، حيث سأل القاضي حسام الدين عن دلالته، فأجابه بأنه نذير خير، لكن لاجين قال بشيء من الإدراك العميق إن حديث كل قاتل مقتول ليس بعيدًا، وبعد صلاة العشاء، اقتحم الأميران كرجي وتوغاي مجلس السلطان، وقتلاه في مشهد أنهى حكايته فجأة.

بكى الناس لاجين، وذرفت العيون دموعًا على السلطان الذي أحبوه رغم ماضيه، وبعد مقتله، لم ينجُ قاتلاه، فلاقيا مصرعهما في معركة مع باقي الأمراء، وعاد الناصر محمد إلى سدة الحكم من جديد.

انقسم المؤرخون حول نوايا لاجين، هل سعى لكسب قلوب العامة لإحكام سلطته، أم أن ندمه الصادق جعله يغير مساره في خريف عمره؟ لكن مهما اختلفت الآراء، بقيت حكايته واحدة من القصص النادرة لسلطان تبدل إلى الأفضل، وترك خلفه إرثًا يرويه الناس كلما مروا بأزقة القاهرة القديمة، حيث ظل اسمه محفورًا في ذاكرة الشعب، لا كقاتل، بل كمن أحبوه بعد أن تغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى