لعبة المصائر على شواطئ المتوسط: كيف تصادمت أحلام روسيا والعثمانيين في صراع الشرق

في أواخر القرن الثامن عشر، تحت أفق البحر المتوسط الملبد بالتوتر، تحركت روسيا بقيادة الإمبراطورة كاترينا الثانية بأطماعها التوسعية نحو تخوم الدولة العثمانية التي كانت تترنح أمام الضغوط الإقليمية، حيث انطلقت شرارة الحرب بين الطرفين عام 1768، لكنها لم تنحصر في مسارح القتال الأوروبية، بل امتدت إلى قلب العالم العربي، حيث نسجت روسيا خيوط تحالفات دقيقة مع أمراء محليين، كأنها تخوض مباراة شطرنج على رقعة الشرق الملتهبة.
كيف تصادمت أحلام روسيا والعثمانيين في صراع الشرق
في فلسطين، برز ظاهر العمر، شيخ عكا الذي حلم بتوسيع سلطته، تتلألأ في عينيه نار الاستقلال، وتحالف مع علي بك الكبير، القائد المملوكي في مصر الذي رفع راية التمرد عام 1771، رست سفن روسية على شواطئ الشام، تحمل وعود الدعم البحري والتدخل الاستراتيجي، كما سقطت صيدا ويافا وبيروت بسرعة، تحت رايات هذا الحلف الثلاثي، وكان الأسطول الروسي، الذي سبق أن ألحق الهزيمة بالعثمانيين في معركة جشمة عام 1770، يفرض هيمنته على البحر داعمًا هذه التحركات العسكرية والسياسية.
لكن الحلم لم يكتمل في مصر، وجد علي بك الكبير نفسه محاصرًا بالخيانة بعد أن انقلب عليه حليفه محمد بك أبو الذهب عام 1772، ففر من البلاد قبل أن توافيه المنية في عام 1773، منهية مشروعه في المهد، أما ظاهر العمر، فكتب له مصير مأساوي في صيف 1775، فرضت السفن العثمانية بقيادة حسن باشا الجزائري حصارًا خانقًا على عكا، حاول ظاهر العمر التفاوض من خارج الأسوار، لكن رصاصة أو خيانة عاجلته، وسقط صريعًا، ومعه تبخرت أحلامه في الاستقلال والهيمنة.
روسيا لم تكتفِ بما جرى، فمصر ظلت جزءًا محوريًا في طموحات كاترينا بموانئها الحيوية مثل الإسكندرية ودمياط، ظلت هدفًا روسيًا مغريًا عام 1783، تلقّت الإمبراطورة عرضًا من الأميرين المملوكيين مراد بك وإبراهيم بك يقضي بتحالف مع روسيا ضد العثمانيين، مقابل اعتراف موسكو باستقلال مصر وحماية روسية للموانئ. استجابت روسيا سريعًا وأرسلت مبعوثين لدراسة الوضع. وفي عام 1788، وصل قنصل روسي إلى دمياط على متن فرقاطة محملة بالأسلحة والهدايا، كإشارة إلى جدية النية الروسية.
لكن الأحداث اتخذت مسارًا مختلفًا إسماعيل بك، أحد القادة الموالين للعثمانيين، استدرج القنصل الروسي إلى القاهرة، ثم زج به في سجن القلعة، كما تحولت الخطط إلى رماد، وتبددت الآمال الروسية في رياح الصراعات الداخلية والتقلبات السياسية.
تلك السنوات شكلت فصلًا ملتهبًا من الصراع العثماني الروسي، حيث التقت مصالح روسيا وأطماعها مع أحلام أمراء الشرق، لكن التنافس على النفوذ، والخيانة التي زرعها الواقع المحلي، منعت ولادة أي استقلال حقيقي، كما بقيت مصر وفلسطين مسرحًا مستمرًا لصراع القوى الكبرى، والبحر المتوسط ظل شاهدًا على جموح الطموح وقسوة الخيبة.



