تاريخ ومزارات

ملحمة القسطنطينية: مسلمة بن عبد الملك بين الشجاعة والقدر

في صيف عام 717م، وقف مسلمة بن عبد الملك على ربوة تطل على أسوار القسطنطينية العظيمة، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية التي بدت كمدينة صعبة المنال، حيث كانت عيناه تلمعان بطموح عظيم، وقلبه ينبض بإيمان قوي بنبوءة قديمة تتحدث عن فتح هذه المدينة المنيعة مسلمة لم يكن مجرد قائد عسكري، بل رجل يحمل على كتفيه آمال أمة بأكملها، وشجاعته وإيمانه جعلاه رمزًا للتحدي.

تاريخ ملحمة القسطنطينية

بدأت القصة قبل سنوات عندما أمر الخليفة الوليد بن عبد الملك بتجهيز جيش عظيم لتحقيق حلم طال انتظاره وهو فتح القسطنطينية مسلمة، الأخ الأصغر للخليفة، كان الخيار الأمثل لهذه المهمة الكبيرة في خريف 715م، تقدمت طلائع الجيش بقيادة سليمان بن معاذ عبر جبال طوروس، وسقطت حصون الحديد وغزالة وماسة وسوسنة واحدًا تلو الآخر، كأنها أحجار تمهد طريق النصر، لكن القسطنطينية كانت تحديًا كبيرًا يختبر إرادة الأبطال.

بحلول ربيع 716م، وصل مسلمة بجيشه الضخم الذي بلغ 120 ألف جندي يقودهم فرسان أشداء وقادة مثل خالد بن بعدان ومجاهد بن جبر وعبد الله زكريا، كانت قلوبهم مفعمة بالشغف والهمة رافقهم أسطول عربي ضخم مكون من 1800 سفينة يشق مياه البوسفور كأنه موكب ملكي يحمل عزيمة لا تلين مسلمة بحكمته لم يكن يسعى لمعركة عابرة، بل لحلم خالد يبقى في ذاكرة التاريخ.

في أغسطس 717م، بدأ الحصار الفعلي، وقف مسلمة أمام أسوار المدينة الشامخة وهو يدرك أن النصر لن يأتي بسهولة، لم يقتصر على الحصار فقط بل أمر بحفر الخنادق وبناء بيوت خشبية للإقامة الطويلة وزراعة الأرض لتوفير المؤن، كانت خطته استراتيجية تعكس قلبًا مليئًا بالأمل والصبر، حيث أراد أن يجعل القسطنطينية تشعر بثقله، لكن القدر كان يحمل له تحديات أشد.

داخل المدينة، تسود الفوضى، أُطيح بالإمبراطور ثيودوسيوس الثالث وصعد ليو الثالث الإساوري إلى العرش، حيث حاول مسلمة بحسن نيته التحالف مع ليو أملاً في فتح أبواب المدينة، لكن ليو خدعه كالثعلب الماكر، لم يكتفِ بالسيطرة على العرش بل تعاون مع أهل القسطنطينية لنقل المؤن للبيزنطيين، مما عزز صمودهم وكسر قلب مسلمة الذي حمل أمال أمة بأكملها.

مع حلول الشتاء، تحولت المعركة إلى محنة قاسية، استخدم البيزنطيون سلاحهم الناري المعروف بالنار اليونانية التي أحرقت أسطول العرب كأوراق جافة، هاجم البلغار، حلفاء البيزنطيين، مخيمات العرب وقتلوا آلافهم، الشتاء القارس جلب قسوة لا تطاق؛ نفدت المؤن واضطر الجنود لأكل خيولهم وجذور الأشجار، ويقال إن بعضهم لجأ إلى أكل الجيف في لحظات يأس، رغم كل ذلك، ظل مسلمة يشجع جنوده بالصبر والإيمان بنصر قريب.

في خضم هذه المحنة، وصلت أوامر من دمشق الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز أمر بالانسحاب، كان القرار صعبًا كالصاعقة على مسلمة الذي أراد ترك أثر خالد، يروى أنه اشترط بناء مسجد في المدينة كرمز لإيمانه بأن هذه الأرض ستكون يومًا للمسلمين، وبالرغم من الجدل حول وجود هذا المسجد المعروف بالمسجد العربي في غالاتا، ظلت قصته تلهم الأجيال.

في 15 أغسطس 718م، رفع مسلمة الحصار بعد 13 شهرًا من الصمود البطولي، حيث انسحب الجيش العربي وعاد إلى ديارهم، لكن الرحلة كانت مليئة بالمآسي، و دمرت العواصف والرماد البركاني الناتج عن ثوران جزيرة ثيرا معظم الأسطول، ولم يبق سوى خمس سفن عادت إلى سوريا، خسر العرب آلاف الرجال، لكن مسلمة بقي رمزًا للشجاعة والإيمان، رجل حلم بما هو أعظم من زمانه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى