مرأه بدوية

هدى شعراوي: رائدة تحرير المرأة المصرية ورمز النضال الوطني

عندما يذكر تاريخ الحركة النسوية في مصر والعالم العربي، يبرز اسم هدى شعراوي (1879-1947) كأيقونة للنضال من أجل حقوق المرأة ورمز للتحرر الوطني، لم تكن هدى شعراوي مجرد ناشطة نسوية، بل كانت قائدة ملهمة جمعت بين النضال الاجتماعي والسياسي، تاركة بصمة لا تمحى في تاريخ مصر الحديث.

النشأة والوعي المبكر

ولدت نور الهدى محمد سلطان الشعراوي في مدينة المنيا بصعيد مصر عام 1879 لأسرة من الطبقة العليا، أتاحت لها نشأتها الأرستقراطية الحصول على تعليم جيد في المنزل، حيث تعلمت اللغات والآداب والموسيقى، لكنها في الوقت نفسه، عايشت القيود المفروضة على النساء في مجتمعها، مثل العزلة والتمييز في التعليم والزواج المبكر، مما أيقظ وعيها بضرورة تغيير واقع المرأة المصرية.
تزوجت في سن مبكرة من ابن عمها علي شعراوي، الذي كان يكبرها بأربعين عاماً وكان شخصية سياسية بارزة وأحد مؤسسي حزب الوفد، رغم أن الزواج كان تقليدياً، إلا أن سفرها معه إلى أوروبا واحتكاكها بالمجتمعات الغربية وسع آفاقها وعزز قناعاتها بضرورة تحرير المرأة.

النضال الوطني وثورة 1919

لم ينفصل نضال هدى شعراوي من أجل المرأة عن نضالها من أجل استقلال مصر عن الاحتلال البريطاني، حيث لعبت دوراً بارزاً في ثورة 1919، حيث قادت أول مظاهرة نسائية حاشدة ضد الاحتلال البريطاني وللمطالبة بالإفراج عن الزعيم سعد زغلول ورفاقه، كما شاركت في تأسيس “لجنة الوفد المركزية للسيدات” وقامت بتنظيم المقاطعة الاقتصادية للبضائع البريطانية.
أظهرت مشاركة النساء بقيادة هدى شعراوي في الثورة قوة المرأة المصرية وقدرتها على التأثير في الشأن العام، مما مهد الطريق لمطالبها اللاحقة بحقوق المرأة السياسية والاجتماعية.

تأسيس الاتحاد النسائي المصري وخلع الحجاب

تعتبر سنة 1923 نقطة تحول مفصلية في مسيرة هدى شعراوي والحركة النسوية المصرية، فبعد عودتها من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي في روما، قامت بخطوتين جريئتين:
  1. تأسيس الاتحاد النسائي المصري: أسست أول منظمة نسوية مصرية تهدف إلى رفع مستوى المرأة في كافة المجالات الأدبية والاجتماعية والمطالبة بحقوقها السياسية والمدنية، وظلت رئيسة له حتى وفاتها.
  2. خلع الحجاب (النقاب): في خطوة رمزية جريئة، قامت هدى شعراوي وزميلتها سيزا نبراوي بخلع النقاب (غطاء الوجه) علناً في محطة قطار القاهرة لدى عودتهما من مؤتمر روما،  أحدث هذا الفعل صدى واسعاً وشجع العديد من النساء على التخلي عن النقاب كرمز للقيود المفروضة عليهن.

إنجازات ومطالب الحركة النسوية

قاد الاتحاد النسائي المصري بقيادة هدى شعراوي حملات واسعة للمطالبة بحقوق المرأة، ومن أبرز مطالبه وإنجازاته:
  • التعليم: المطالبة بحق الفتيات في التعليم العام والعالي على قدم المساواة مع الذكور.
  • الحقوق السياسية: المطالبة بحق المرأة في الانتخاب والترشح للمجالس النيابية.
  • قانون الأحوال الشخصية: المطالبة بإصلاح قوانين الزواج والطلاق بما يضمن حقوق المرأة، مثل رفع سن الزواج للفتيات وتقييد تعدد الزوجات والطلاق.
  • العمل: المطالبة بحق المرأة في العمل والمساواة في الأجور.
  • تأسيس الجمعيات والمجلات: أسست جمعيات لرعاية الأطفال، وأصدرت مجلة “L’Égyptienne” (المصرية) باللغة الفرنسية عام 1925، ثم مجلة “المصرية” باللغة العربية عام 1937، لنشر الوعي بقضايا المرأة.
  • المشاركة الدولية: مثلت مصر في العديد من المؤتمرات النسائية الدولية، وساهمت في تأسيس الاتحاد النسائي العربي عام 1944.

إرث خالد

رحلت هدى شعراوي عن عالمنا في 12 ديسمبر 1947، لكن إرثها لا يزال حياً، لقد فتحت الباب أمام أجيال من النساء للمطالبة بحقوقهن والمشاركة الفعالة في بناء مجتمعاتهن، حيث تظل قصتها قصة نضال شجاع من أجل الحرية والعدالة، وتذكيراً دائماً بأن تحرير الأوطان لا يكتمل إلا بتحرير العقول والنساء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى