المزيد

محاكمة سمرقند التي أدهشت العالم الإسلامي وخلدت اسم عمر بن عبد العزيز بين صفحات العدل الخالد

في عام تسعة وتسعين للهجرة تولى الخليفة عمر بن عبد العزيز زمام الحكم وسط ترقب واسع من الأمة التي عرفت عنه تقواه وورعه، فلقبه الناس بخامس الخلفاء الراشدين، لما أظهره من عدل نادر في زمن اتسم بالصراعات والتقلبات، وبينما كان يبسط نفوذ الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من العالم، جاءته رسالة غريبة من أرض سمرقند، تحمل شكوى لم يتوقعها أحد.

ما هي محاكمة سمرقند

تقدم كهنة سمرقند بالتماس مباشر إلى الخليفة بعدما سمعوا عن عدالته النادرة وروحه المنصفة، وادعوا أن القائد المسلم الذي دخل مدينتهم خالف الأعراف الإسلامية المعهودة في الفتوحات، حيث لم يمنحهم فرصة المفاوضة أو الدعوة قبل القتال، مثلما جرت عليه سنة الجيوش الإسلامية في البلاد الأخرى.

لم يتردد الخليفة في النظر في الأمر، فكتب فورًا إلى عامله على ما وراء النهر سليمان بن أبي السري، يطالبه بإحالة الشكوى إلى القاضي للبت فيها، وتحديد ما إذا كان الفتح قد جرى بصورة شرعية أم لا، فجاء القرار بتكليف القاضي جميع بن حاضر للنظر في القضية، حيث ترأس محكمة استثنائية جمعت بين ممثلي أهل سمرقند وقادة الجيش الإسلامي الذين دخلوا المدينة.

استمع القاضي إلى أقوال الطرفين، وأقر القادة بما حدث، مؤكدين أن دخولهم المدينة جرى بأسلوب الحيلة، دون إتمام الشروط التي شرعها الإسلام للفتوحات، وهنا جاء الحكم الصادم الذي هز أركان التاريخ الإسلامي والعالمي، فقد أمر القاضي بإخلاء سمرقند كاملة من جميع من دخلها من العرب، بما فيهم القادة والجنود والنساء والأطفال، والعودة إلى مواقعهم التي انطلقوا منها قبل الفتح، ثم أمر بفتح المدينة من جديد بعد اتباع الإجراءات الإسلامية الصحيحة، سواء عبر الدعوة أو الصلح أو القتال العادل.

ما جرى في سمرقند لم يكن مجرد قرار قضائي، بل شكل حالة فريدة من نوعها أذهلت المؤرخين والعقلاء على مر العصور، كيف يأمر حاكم جيشًا منتصرًا بالانسحاب من أرض غنية فتحها دون مقاومة، وكيف يقف القاضي في صف من هم على غير ملة الإسلام ضد قادة جيوش الأمة، كلها أسئلة لا تجد إجابة إلا في نور عدل الإسلام، الذي تجسد في هذا الموقف ليؤكد أن النصر الحقيقي ليس في السيف، بل في إعلاء الحق والإنصاف.

تفاصيل هذه القصة وردت في كتب متعددة، أبرزها فتوح البلدان للبلاذري، والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي للشيخ عبد الشافي محمد عبد اللطيف، وكذلك كتاب عمر بن عبد العزيز معالم التجديد والإصلاح الراشدي على منهاج النبوة للدكتور علي الصلابي، إضافة إلى ما نقله الطبري في الجزء السادس من تاريخ الرسل والملوك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى