مساجد الصحراء الشرقية.. محاريب مفتوحة في قلب الرمال

يواصل رعاة الإبل والأغنام رحلاتهم الطويلة في أعماق الصحراء الشرقية بحثًا عن الكلأ والماء، خاصة في فصل الشتاء، حين تزدهر المراعي بعد هطول الأمطار. يتنقل هؤلاء الرعاة بين الوديان والتلال، مشيًا على الأقدام أو على ظهور دوابهم، منشغلين بتأمين احتياجاتهم اليومية، لكنهم لا يغفلون عن أداء صلواتهم، فيقيمون أماكن عبادة بسيطة تعرف باسم “مساجد الصحراء”، تظل شاهدة على إيمانهم العميق رغم صعوبة الحياة.
تاريخ مساجد الصحراء الشرقية
هذه المساجد ليست سوى مساحات مفتوحة تحدها حجارة صغيرة، سقفها السماء، وأرضها رمال الصحراء الذهبية. يحرص الرعاة على تشييدها في كل محطة يستقرون بها ولو لأيام قليلة، ليؤدوا فيها عباداتهم، كما يستخدمها المسافرون والعابرون في تلك الدروب الصحراوية. حين يرحل الرعاة، تبقى هذه المساجد كما هي، مفتوحة للمصلين القادمين من بعدهم، فتتحول إلى معالم بارزة في الوديان الجبلية، يستدل بها الرحالة وأصحاب الحرف الصحراوية مثل الدهابة الباحثين عن الذهب.
وفي هذا الصدد قال الحسن عثمان، أحد أبناء مدينة الشلاتين، أن الراعي بمجرد وصوله إلى مكان جديد، يحدد موضعًا للصلاة بعد التأكد من اتجاه القبلة، والتي يستدل عليها عادة باتجاه البحر، أو من خلال مراقبة حركة الشمس نهارًا والنجوم ليلًا. يتم رسم حدود المسجد باستخدام الحجارة، ويحرص الجميع على خلع نعالهم قبل الدخول احترامًا لقدسية المكان. في فصل الصيف، تصبح الحرارة عائقًا، فتقل المساجد المفتوحة، بينما تنتشر بكثرة خلال الشتاء، حيث يتوافد عليها العابرون من مختلف الاتجاهات، سواء للصلاة أو للراحة من وعثاء السفر. يحرص البعض على ترك قليل من الماء بجوارها لاستخدامه في الوضوء، وإن لم يتوفر الماء، يلجأ المصلون إلى التيمم مسترشدين بروح الدين وتقاليده الصحراوية.
تمتلئ الوديان الصحراوية بهذه المساجد البسيطة، وغالبًا ما تقام في مناطق مستوية يسهل الوصول إليها، وتحدد معالمها بالحجارة بدقة. يعتمد سكان الصحراء على معرفتهم العميقة بحركة الشمس والنجوم لتحديد اتجاه القبلة، وتبنى غالبًا بالقرب من الآبار أو مصادر المياه، لتوفير إمكانية الوضوء للمصلين قبل أداء عباداتهم. ومن بين أشهر الوديان التي تضم هذه المساجد وادي هيبا، إلى جانب العديد من المواقع الجبلية المنتشرة في غرب الشلاتين والمناطق الصحراوية الأخرى.



