السجاد البدوي.. حرفة الأصابع التي نسجت تاريخ الصحراء
أسماء صبحي – حين نتحدث عن حياة البدو في الصحاري العربية فإننا لا نقف عند حدود التنقل والترحال فقط بل نتأمل إرثًا ثقافيًا غنيًا تشكّل عبر قرون طويلة. ومن بين أبرز ملامح هذا الإرث تبرز حرفة صناعة السجاد البدوي تلك الحرفة التي لم تكن مجرد نشاط اقتصادي لسد الحاجات اليومية بل أصبحت رمزًا للفن البدوي وهويته الثقافية. ويحكي السجاد البدوي قصص الصحراء بألوانه وزخارفه، ويجسد العلاقة العميقة بين الإنسان وبيئته.
الجذور التاريخية لصناعة السجاد البدوي
ظهرت صناعة السجاد البدوي منذ آلاف السنين، وكانت في بدايتها استجابة طبيعية لحاجة القبائل إلى وسائل التدفئة وحماية الخيام من رمال الصحراء وبرودتها القارسة. ومع مرور الوقت، تطورت هذه الصناعة لتصبح فناً قائماً بذاته. حيث أبدعت النساء البدويات في تحويل الخيوط الطبيعية المستخلصة من صوف الأغنام وشعر الماعز إلى قطع فنية تنطق بالجمال.
وقد ارتبط السجاد البدوي بمناسبات الحياة اليومية؛ فكان يُنسج كجهاز للعروس، أو كهدايا للضيوف، أو كقطع تزيّن المجالس والخيام. ومع كل سجادة تنسج كان البدوي يضيف جزءًا من روحه وذاكرته، حتى بات السجاد بمثابة كتاب مفتوح يسرد تفاصيل الهوية الصحراوية.
المواد الخام وأدوات النسج
تعتمد صناعة السجاد البدوي على خامات طبيعية بالكامل، مما يعكس ارتباط البدو الوثيق ببيئتهم. ومن أبرز المواد المستخدمة:
- الصوف: يعتبر المادة الأساسية، ويتم الحصول عليه من أغنام القبيلة. يغسل وينقى ويغزل إلى خيوط قوية.
- شعر الماعز: يستخدم غالبًا في صناعة السجاد الأكثر صلابة، خاصة المخصص للخيام.
- الأصباغ الطبيعية: مثل قشر الرمان، والنيلة، وأعشاب الصحراء، حيث تستخدم لصبغ الخيوط بألوان حمراء وزرقاء وصفراء وبنية.
- أما الأدوات، فهي بسيطة لكنها فعالة: النول البدوي (الخشبي غالبًا)، والأمشاط المعدنية لتسوية الخيوط، والعصي المستخدمة في شدّ النسج.
دور المرأة في صناعة السجاد
تعتبر هذه الحرفة في الأساس حرفة نسائية، حيث تتوارثها الفتيات عن أمهاتهن وجداتهن. فبينما ينشغل الرجال برعي الماشية أو التجارة تجتمع النساء في الخيام لنسج السجاد، فيتحول العمل إلى جلسة اجتماعية يتخللها الغناء والحكايات. وهكذا، لم يكن السجاد مجرد نتاج عمل يدوي، بل كان أيضًا وسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية ونقل القيم والعادات بين الأجيال.
الزخارف والرموز
يتميز السجاد البدوي بزخارفه الهندسية البسيطة، التي تعكس روح البداوة وعلاقتها بالطبيعة. فالمثلثات والخطوط المتعرجة ترمز إلى الجبال والرمال، بينما تمثل الأشكال المتكررة الوحدة والتماسك بين أفراد القبيلة. كما تستخدم ألوان حارة وقوية تعكس شجاعة البدوي وصلابته.
وتعتبر هذه الزخارف لغة بصرية تحمل معاني خفية. إذ يمكن أن تعبّر عن القبيلة التي نسج السجاد فيها، أو عن مناسبة معينة كزواج أو ولادة. وبهذا يصبح السجاد وثيقة تاريخية فنية تحمل بصمة مجتمع كامل.
تفول الخبيرة في التراث البدوي الدكتورة ليلى القاسمي، إن صناعة السجاد البدوي ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي إرث حضاري يجب الحفاظ عليه. وتابعت: “السجاد البدوي هو ذاكرة الصحراء. كل عقدة في هذه القطع تحكي قصة عن الحياة القاسية والجميلة في آن واحد. إذا فقدنا هذه الحرفة، سوف نفقد جزءًا من هوية الشعوب البدوية التي عاشت قرونًا من الكفاح والإبداع.”



