سباق الإبل الليلية.. إرث قبلي يمتد من الصحراء إلى ميادين الخليج
أسماء صبحي– في قلب الصحراء العربية، حيث تتلاقى الكثبان الرملية مع امتداد السماء. يقف سباق الإبل الليلية كواحد من أقدم الموروثات القبلية في منطقة الشرق الأوسط. وهذا التقليد ليس مجرد منافسة بين حيوانات تتحمل الظروف القاسية، بل يمثل ممارسة اجتماعية وثقافية عميقة توغل في عمق حياة البدو ويحافظ عليها المجتمع حتى عصرنا الحديث.
أصل سباق الإبل الليلية
تعود أصول سباق الإبل إلى مئات السنين قبل الميلاد، عندما كانت الإبل وسيلة النقل الأساسية للبدو في الصحراء. وكانت سرعة الإبل وقوتها مؤشراً على مكانة العائلة أو القبيلة في المجتمع. ومع مرور الزمن، تطور هذا التقليد إلى منافسات منظمة تُقام في المناطق الصحراوية في السعودية، الإمارات، قطر، عمان وحتى سيناء بمصر ونقب في إسرائيل. حيث تجمع القبائل لتحديد الأسرع بين “سفن الصحراء”.
السباقات الليلية وتجهيز المضامير
في العصر الحديث، شهدت بعض دول الخليج مثل قطر والسعودية تنظيم سباقات ليلية باستخدام مضامير مضاءة بالكامل مثل ميدان الشيحانية في قطر. مما أتاح للسباقات أن تقام في أجواء صحراوية ساحرة ليلاً. ويعكس هذا تقاطع التراث مع الحداثة. السباقات التقليدية غالباً ما تنطلق عند حلول الليل أو فجر الصحراء. حيث تنخفض حرارة الرمال لتكون الظروف ملائمة للإبل.
تقسم الإبل إلى فئات عمرية مختلفة، وتمتد المسافات بين 3 و40 كيلومتراً حسب نوع السباق. وهذه المنافسات لا تجرى فقط كأحداث رياضية، بل كاحتفالات اجتماعية تشهد حضور العائلات والقبائل بأكملها مع غناء الشعر البدوي وحياة المخيم الصحراوي.
التدريب والتحضير للسباقات
يبدأ ملاك الإبل بتربية الإبل منذ صغرها ضمن برامج غذائية خاصة بحسب نوعها وسلالتها. ثم تخضع الحيوانات لتدريب يومي على المضمار لضمان جاهزيتها للمنافسة. ولا تقتصر التحضيرات على الإبل فقط بل تشمل تجهيزات لوجستية كاملة مثل المخيمات، والمرافق الطبية، ومعدات السباق، فضلاً عن برامج الضيافة والاحتفال.
أبعاد ثقافية واجتماعية
يرى الباحثون أن سباق الإبل يتجاوز البعد الرياضي إلى أبعاد اجتماعية وثقافية عميقة. وفي قال د. سامي الشمري، أستاذ ثقافة بدوية وتراث: “سباق الإبل هو ممارسة تراثية تمثل صلة بين الماضي والحاضر في حياة البدو إنها ليست مجرد منافسة بين الجمال. بل تجسد قصة حياة القبيلة من التنقل والصمود إلى الاحتفال والمجتمع. وتمر هذه المعرفة عبر الأجيال كموروث يعزز الانتماء والهوية.”
كما يعكس هذا التقليد أهمية الحفاظ على التراث البدوي. ويبرز دور القبائل في صيانة هويتهم الثقافية رغم التحديات الحديثة.
السباقات كاقتصاد ومهرجانات ثقافية
لا يقتصر سباق الإبل على الجانب الثقافي، بل يشكل أيضاً نشاطاً اقتصادياً مهماً. فارتفاع أسعار الإبل المنافسة وحجم الجوائز المقدمة في بعض السباقات الرسمية يجعل موسم الهجن فرصة اقتصادية لملاك الإبل والمجتمعات المحلية.
مع التحديث، ظهرت فئات مختلفة من السباقات، مثل فئات للإبل الصغيرة وكبار السن وأخرى ضمن مهرجانات سياحية وثقافية. كما أدخلت بعض الدول تقنيات حديثة مثل الركاب الآليين بدلاً من الأطفال حفاظاً على حقوق الإنسان والرفق بالحيوان.



