ورفلة.. قبيلة عربية عريقة ترسم ملامح التاريخ الليبي
أسماء صبحي – تعد قبيلة ورفلة واحدة من أقدم وأكبر القبائل العربية في ليبيا، حيث تمتد جذورها التاريخية إلى قرون طويلة. لتصبح مكوّناً أساسياً في النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد. فهي قبيلة منتشرة في مناطق واسعة من ليبيا، وخاصة في مدينة بني وليد التي تُعتبر معقلها الرئيسي. وعلى مرّ التاريخ. لعبت ورفلة أدواراً مؤثرة في الأحداث الكبرى التي شهدتها ليبيا، بدءاً من الحقبة العثمانية مروراً بالاستعمار الإيطالي وصولاً إلى ثورة فبراير 2011 وما تلاها من تحولات سياسية.
أصول قبيلة ورفلة
تعود أصول القبيلة إلى القبائل العربية التي هاجرت إلى شمال إفريقيا خلال الفتوحات الإسلامية وما بعدها. واستوطنت في المناطق الوسطى من ليبيا، حيث وجدت في السهول والوديان بيئة مناسبة للرعي والزراعة. وقد أسهم موقعها الجغرافي الاستراتيجي في جعلها نقطة وصل بين شرق ليبيا وغربها، وبين الشمال الساحلي والجنوب الصحراوي.
ويشير بعض المؤرخين إلى أن اسم “ورفلة” ارتبط بكثرة “الورفل” أي الشجيرات الصحراوية التي كانت تنبت في مناطق استقرار القبيلة. فيما يرى آخرون أن التسمية لها جذور أمازيغية تعرّبت مع مرور الزمن، ما يعكس التمازج الثقافي واللغوي في تلك الحقبة.
الانتشار الجغرافي
تنتشر قبيلة ورفلة بشكل رئيسي في مدينة بني وليد، التي تُعرف بأنها معقلها التاريخي، إضافة إلى وجودها في مصراتة وطرابلس وترهونة وسرت وبعض مناطق الجنوب. ويقدر عدد أفرادها بمئات الآلاف، ما يجعلها واحدة من أكبر القبائل الليبية عدداً ونفوذاً.
الدور الاجتماعي
لعبت ورفلة دوراً بارزاً في الحفاظ على البنية التقليدية للمجتمع الليبي، حيث لا تزال الأعراف القبلية سائدة في حل النزاعات وتنظيم العلاقات الاجتماعية. فالقبيلة تتمسك بعاداتها الأصيلة مثل الكرم، التضامن، وحماية الضيف. كما أن لها مجلساً عرفياً يضم شيوخها وكبارها للفصل في القضايا الداخلية والتنسيق مع القبائل الأخرى.
في مواجهة الاستعمار
خلال فترة الاستعمار الإيطالي لليبيا (1911 – 1943)، كانت قبيلة ورفلة ضمن القوى القبلية التي شاركت في المقاومة الشعبية. فقد ساعد موقعها في الوسط الليبي على أن تكون مركزاً لعمليات المقاومة ضد القوات الإيطالية، حيث وفرت القبيلة مقاتلين ودعماً لوجستياً لمعارك عديدة شهدتها تلك المرحلة.
ورفلة في عهد القذافي
مع وصول العقيد معمر القذافي إلى السلطة عام 1969، أصبحت قبيلة ورفلة إحدى القبائل التي حظيت بمكانة خاصة في النظام السياسي. فقد اعتمد القذافي على التحالفات القبلية لتثبيت حكمه وكانت ورفلة من أبرز القبائل التي لعبت دوراً في الجيش والأجهزة الأمنية.
لكن بعد اندلاع ثورة 17 فبراير 2011، انقسمت مواقف أبناء القبيلة بين مؤيدين للنظام ومعارضين له. وقد تعرضت مدينة بني وليد لحصار طويل بعد سقوط طرابلس نتيجة اعتبارها أحد آخر معاقل الموالين للقذافي، مما جعل ورفلة في قلب الأحداث السياسية والعسكرية في تلك الفترة.
ورفلة بعد 2011
بعد سقوط النظام، واجهت القبيلة تحديات كبيرة، إذ وجدت نفسها بين مطرقة الصراعات الداخلية الليبية وسندان التدخلات الخارجية. ومع ذلك، حاولت ورفلة الحفاظ على وحدة صفها، لتكون قوة اجتماعية مؤثرة تسعى إلى تحقيق المصالحة الوطنية.
وقد لعبت شخصيات بارزة من ورفلة أدواراً في جهود الوساطة بين الفرقاء الليبيين..معتبرين أن القبيلة بحجمها وتاريخها قادرة على أن تكون جسراً للحوار بدلاً من الانقسام.
البعد الثقافي
إلى جانب دورها السياسي والاجتماعي، تمتلك قبيلة ورفلة إرثاً ثقافياً متنوعاً، يظهر في الشعر الشعبي، والأغاني التراثية، والزي التقليدي. كما يشتهر أبناؤها بالمهارة في الفروسية، وهي سمة مشتركة بين معظم القبائل العربية في ليبيا.
ويقول الباحث الليبي في علم الاجتماع القبلي الدكتور علي الشريف، إن قبيلة ورفلة ليست مجرد مكوّن اجتماعي، بل هي مؤسسة قبلية ضخمة لها امتداد في السياسة والثقافة والاقتصاد. فهي من أكبر القبائل العربية في ليبيا، وقدرتها على التكيف مع المتغيرات السياسية جعلتها لاعباً محورياً في أي تسوية وطنية مستقبلية. إن فهم ورفلة ضروري لفهم المشهد الليبي ككل.



