قبائل و عائلات

الجذور الكوشية لقبائل شمال ووسط السودان.. تفكيك أسطورة النسب العربي وإعادة قراءة التاريخ واللغة والهوية

لطالما ارتبطت هوية القبائل السودانية في شمال ووسط البلاد، وبخاصة المجموعات الجعلية الكبرى، بروايات النسب العربي التي تعزو أصول هذه القبائل إلى هجرات قادمة من الجزيرة العربية نحو وادي النيل، وتشمل هذه المجموعات الجعليين، الشايقية، المناصير، الرباطاب، البديرية، البطاحين، الجوامعة، العبابدة، الكواهلة، الشنابلة وغيرها من القبائل التي ترسخت في الوعي الجمعي السوداني باعتبارها امتدادا مباشرا للعرب، وقد انتشرت هذه السردية بشكل واسع خلال القرون الأخيرة، خصوصا منذ قيام مملكة سنار في القرن السادس عشر الميلادي، حتى تحولت مع الزمن إلى مسلمة ثقافية راسخة في المخيال الشعبي غير أن العودة الجادة إلى الأدلة التاريخية، والأثرية، والأنثروبولوجية، واللغوية، تكشف عن سردية مغايرة، أكثر تماسكا، وأكثر اتساقا مع معطيات العلم والتاريخ.

أولا الامتداد التاريخي والاستيطان النيلي

تشير الشواهد الأثرية بوضوح إلى أن مناطق الشمال والوسط النيلي في السودان شهدت استيطانا بشريا متواصلا منذ آلاف السنين، وأسهم سكانها في تشييد حضارات كرمة، ونبتة، ومروي، التي امتد عمرها من الألف الثالث قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي، ولم يكن سقوط مملكة مروي في القرن الرابع الميلادي نهاية لتلك الجماعات البشرية، بل واصلت وجودها في المناطق ذاتها، وهو ما تؤكده بقايا المعمار، ومواقع صهر الحديد، والنقوش المتأخرة التي تعكس استمرارية حضارية وسكانية واضحة.

ومن غير المنطقي ديمغرافيا أن تختفي تلك الكتل البشرية الكبيرة فجأة، ليحل محلها مهاجرون وافدون من خارج السودان دون أن يتركوا بصمات مادية واضحة، فالهجرات الكبرى عادة ما تصاحبها تحولات جذرية في نمط المعمار، واللغة، والعادات الجنائزية، وهو ما لا يظهر في الحالة السودانية، حيث نلاحظ استمرارية واضحة في أنماط العيش والثقافة.

ثانيا ما بعد مروي وغموض الرواية

تمثل الفترة الممتدة من سقوط مروي حوالي عام 350 ميلادية وحتى قيام مملكة المقرة المسيحية في منتصف القرن السادس الميلادي إحدى أكثر الفترات غموضا في تاريخ السودان القديم، ففي هذه المرحلة تراجعت مظاهر المعمار الضخم، واختفت الكتابة المروية، غير أن هذا التراجع لا يعني حدوث تغيير إثني شامل في السكان، بل يعكس تحولات سياسية واقتصادية داخلية، وقد استغل هذا الفراغ التاريخي لاحقا لتسويق فرضيات غير موثقة حول هجرات عربية واسعة إلى وادي النيل الأوسط، دون أن تسندها أي أدلة مادية أو نصوص تاريخية معاصرة لتلك الفترة.

ثالثا النسب العربي وصناعته في عهد مملكة سنار

تعود أقدم الوثائق التي تربط قبائل الشمال والوسط السوداني بأصول عربية إلى القرن السادس عشر الميلادي، أي بعد نحو ألف عام من سقوط مروي، وقد ارتبط هذا التوثيق باسم شخصية غامضة عرفت باسم السمرقندي، الذي تنسب إليه عملية جمع أنساب العرب في السودان، رغم غياب أي دليل قاطع على وجوده التاريخي، ويبدو أن السياق السياسي لعب دورا محوريا في صياغة هذه الأنساب، خصوصا في ظل العلاقة الحساسة بين مملكة سنار والدولة العثمانية عقب فتح مصر، حيث سعت سلطنة سنار إلى إضفاء طابع عربي إسلامي على سكانها لتجنب الصدام العسكري مع السلطان العثماني.

ويعزز الشك في صحة هذه الروايات غياب أي ذكر لقبائل مثل الجعليين، والشايقية، والكواهلة في المصادر العربية الكلاسيكية، أو في مؤلفات كبار النسابة في مصر والحجاز واليمن، مثل القلقشندي، والمقريزي، والسيوطي، فلو كانت هناك هجرات عربية واسعة النطاق إلى السودان، لكان من غير الممكن أن تتجاهلها هذه المصادر.

وقد أشار هارولد ماكمايكل في كتابه تاريخ العرب في السودان إلى أنه وجد لدى كثير من القبائل وثائق أنساب بالية، توارثوها جيلا بعد جيل، تحتوي على سلاسل نسب تنتهي إلى الجزيرة العربية، وأكد أن معظم هذه الوثائق تعرض للتلف أو الضياع، وأن كثيرا منها نسب إلى السمرقندي، وهي شخصية لا يعرف عنها شيء محدد، وذهب عدد من الباحثين السودانيين، مثل يوسف فضل وعون الشريف قاسم، إلى اعتبار السمرقندي شخصية أسطورية، جرى توظيفها لتبرير نسب عربي يخدم أغراضا سياسية ودينية.

ويرجح أن مملكة سنار شجعت هذه الروايات في إطار تعزيز الشرعية الدينية والسياسية، خاصة في ظل انتشار التصوف، وتعظيم الانتساب للعرب ولآل البيت، بوصف ذلك مصدر فخر ومكانة اجتماعية، كما أن الفترة الممتدة بين انهيار مروي وقيام مملكة سنار، والتي تقارب اثني عشر قرنا، تظل بلا تفسير مقنع في الروايات العربية، إذ لا توضح أين كانت تقيم هذه القبائل المزعومة قبل ظهورها في وسط وشمال السودان، ولا كيف اختفت الجماعات المحلية السابقة دون أثر.

رابعا استمرارية العادات الكوشية

تشكل الثقافة المادية والاجتماعية دليلا بالغ الأهمية على الاستمرارية الحضارية، إذ ما زالت كثير من العادات والطقوس السائدة وسط قبائل الشمال والوسط السوداني تعكس جذورا كوشية واضحة، ومن أبرز هذه الممارسات الجرتق، والدخان، والدلكة، والحناء، والمشاط، والعنقريب، والشلوخ، واستخدام جريد النخيل في الأفراح والمآتم، وتظهر هذه الطقوس بصورة متطابقة تقريبا مع ما وثقته النقوش المروية ومعابد البجراوية.

ففي الزواج، تمارس عادة الدخان باستخدام أخشاب الطلح والشف، وهي عادة يعتقد أنها ارتبطت بملكات مروي، كما تحاكي طقوس الجرتق مراسم تنصيب الملوك، حيث يجلس العريس على عنقريب، ممسكا بالسيف، وتوضع على رأسه مواد عطرية تشبه ما كان مستخدما في الطقوس الملكية القديمة، ويؤكد مختصون في الآثار أن هذه الطقوس تطابق نقوشا مروية موثقة.

وتعود الدلكة، والمشاط، والحناء، وأدوات الزينة، وحتى أدوات الزراعة التقليدية، إلى أصول مروية ونبتية واضحة، كما أن الشلوخ، التي تميز القبائل عن بعضها، ظهرت في نقوش تعود إلى عهد مروي والدولة المصرية الوسطى، ويعكس استخدام جريد النخيل في المواكب والطقوس رمزية الحياة والبعث، وهي ذات الرمزية التي تظهر في مناظر البجراوية الجنائزية.

خامسا اللغة والتحول الثقافي

يثير الواقع اللغوي في السودان سؤالا جوهريا، إذ لا تتحدث القبائل الحدودية، مثل البجا، والنوبة، وقبائل دارفور، اللغة العربية كلغة أم، رغم أنها الأقرب جغرافيا لمناطق الهجرة المفترضة في المقابل، تتحدث قبائل الوسط والشمال العربية كلغتها الأساسية دون امتلاك لغة ثانية، ويشير هذا الواقع إلى أن العربية في السودان لم تنتشر عبر هجرة، بل عبر تحول لغوي داخلي.

وتشير دراسات لغوية حديثة إلى وجود تشابه بنيوي بين اللغة المروية والعامية السودانية، سواء في قواعد النفي، أو الضمائر، أو صيغ الجمع والنسب، كما يظهر تشابه واضح بين مفردات مروية قديمة ومفردات مستخدمة في الحياة اليومية السودانية، ويعزز ذلك فرضية أن العربية السودانية تطورت محليا من لغة كوشية قديمة، ولم تحل محلها عبر قطيعة لغوية.

وتشير الأدلة أيضا إلى أن حضارات كوش والحبشة وجنوب الجزيرة العربية كانت على اتصال عميق منذ الألفيات السابقة للميلاد، وأن هذا التفاعل أسهم في نشوء اللغات السامية، ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى العربية باعتبارها إحدى ثمار تطور لغوي طويل، جذوره إفريقية نيلية، لا لغة وافدة بالكامل من الخارج.

خلاصة الهوية والامتداد الحضاري
يظهر التحليل المتكامل لتاريخ قبائل شمال ووسط السودان أنها ليست نتاج هجرات عربية جماعية من الجزيرة العربية، بل الامتداد الطبيعي لمجتمعات حضارات وادي النيل القديمة، التي واصلت تطورها الثقافي واللغوي عبر القرون، ويعد النسب العربي الذي انتشر بعد قيام مملكة سنار بناء ثقافيا سياسيا، هدفه تعزيز المكانة الدينية والاجتماعية، لا انعكاسا لواقع إثني حقيقي.

وبناء على المعطيات التاريخية، والأنثروبولوجية، والأثرية، واللغوية، فإن ما يعرف اليوم بالقبائل العربية في السودان هي في جوهرها قبائل سودانية أصيلة، تنحدر من شعوب كرمة ونبتة ومروي، وتبنت العربية كلغة ثقافية وحضارية، لا كدليل على أصل أجنبي، كما تشير هذه المعطيات إلى أن السودان القديم يمثل أحد المراكز الكبرى في نشوء الحضارة واللغة، وأن إعادة قراءة هذا الدور بعيدا عن التصنيفات التقليدية، تفتح آفاقا جديدة لفهم تاريخ المنطقة وهويتها العميقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى