ما سبب الاحتفال برأس السنة الميلادية في كافة أنحاء العالم؟
تفصلنا عن نهاية السنة أيام قليلة، وكثير من الناس دون شك ينشغلون هذه الفترة بمراجعة ما أنجزوه خلال العام المنصرم، من عمل على مشروع، أو قراءة عدد من الكتب، أو بحث علمي، أو تحقيق هدف شخصي، وهذا أمر طبيعي ومهم، ما دمنا نعيش وفق هذا التقويم الميلادي الذي يحدد مواعيد أعمالنا، وتواريخ ميلادنا، وبدايات دراستنا، لذلك لا غرابة أن نقف لحظة تأمل عند نهاية كل سنة، لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحا، ما الذي نحتفل به فعلا، هل نحتفل بانقضاء سنة من أعمارنا، أم بإنجازاتنا، أم أننا نحتفل دون أن نعرف سببا حقيقيا لهذا الاحتفال.
ما سبب الاحتفال برأس السنة الميلادية؟
بعيدا عن الجدل القائم حول تاريخ ميلاد المسيح عليه السلام، وحكم الاحتفال به من عدمه، فإن الاحتفال عند الغربيين مرتبط أساسا بميلاده، أي هو احتفال ذو بعد ديني يعبر عن الابتهاج بمولد رمز الطهر والسلام، وهذا يظهر بوضوح في جذور طقوسهم، لكن المثير للتساؤل هو كيف تحول هذا الطقس عبر الزمن من احتفال ديني إلى سهرات ماجنة ترتكب فيها كل المحرمات التي جاء المسيح عليه السلام لينهي عنها، هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات فكرية وفلسفية عميقة، وارتبط بعلاقة الدين بالحياة في الثقافة الغربية.
هذا شأنهم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا نحن، ما مبرر احتفالنا، والأكثر حيرة، ما سر تقليد هذه السهرات الصاخبة، التي تسوق على أنها مجرد فرح بحلول سنة جديدة، وكأن قدومها كان محل شك، نحن مسلمون ونؤمن بالمسيح عليه السلام، بل نحن أولى بتوقيره، لكن هل لهذه الحفلات أي صلة حقيقية بهذا المعنى، أم أن الأمر تحول إلى تقليد أعمى، حتى أصبح الاحتفال مسلما به، ومن يعترض عليه يعد شاذا أو متخلفا.
نحن نعيش اليوم أزمة أخلاقية حقيقية داخل مجتمعاتنا، أزمة تكشف هشاشة ارتباطنا بمنظوماتنا القيمية، ولا تعبر أبدا عن انفتاح أو تسامح مع الآخر، ففي هذه الفترة تصرف أموال طائلة، وتنظم سهرات يحضرها فنانون يتقاضون الملايين من أموال الشعوب، والأخطر أن هذا السلوك لم يعد مقتصرا على النخب، بل تسلل إلى عامة الناس، وتحول إلى عادة اجتماعية، يتبادل فيها الناس الهدايا، ويشاركون في طقوس لا يعرف كثير منهم معناها ولا خلفيتها.
هذا الواقع يعكس حالة تيه واضحة، غذتها موجات الأفلام والمنتجات الثقافية القادمة من الغرب، التي تصور الاحتفالات الصاخبة كجزء طبيعي من الحياة، ومع غياب الوعي لدى قطاع واسع من الشباب، جرى استنساخ هذه المشاهد بحذافيرها في مجتمعاتنا، حتى أصبحت ليلة رأس السنة عندنا أكثر انفلاتا منها في موطنها الأصلي، حيث ينتشر الخمر والمخدرات، وترتفع أسعارها، وتتكاثر الكوارث الاجتماعية.
ولم تعد هذه الصور مجرد مبالغات، ففي سنوات قريبة امتلأت بعض المستشفيات بحالات لشباب قاصرين فقدوا وعيهم بسبب الإفراط في الشرب، وسجلت حوادث مأساوية لفتيات تعرضن لانتهاكات جسيمة، وهذه الوقائع وإن صدمت السامعين، فإن الواقع قد يكون أشد قسوة مما نتخيل.
كل ذلك يدل على أزمة أخلاقية عميقة، ويكشف ضعف البناء القيمي والتربوي، ولا يعبر بأي حال عن تحضر أو تقدم، الغرب نفسه مر بهذه المرحلة من التيه، لكنه وصل اليوم إلى مرحلة أخرى، حيث أصبح الدين شأنا فرديا خاصا، لا يتدخل في المجال العام، أما نحن فما زلنا نتخبط بين شعارات المرجعية الدينية وممارسات تناقضها، خاصة على مستوى السياسات الثقافية والتربوية.



