معركة عين جالوت يوم كسرت مصر سيف المغول وغيّرت وجه التاريخ
كتبت شيماء طه
في الخامس من سبتمبر عام 1260م، سطر الجيش المصري بقيادة السلطان سيف الدين قطز ورفيقه الظاهر بيبرس واحدة من أعظم ملاحم النصر في التاريخ الإسلامي والعالمي، حين واجه جيش المغول الذي اجتاح العالم شرقًا وغربًا، وهزمه هزيمة ساحقة في معركة عين جالوت بفلسطين.
كان ذلك اليوم نقطة تحول فاصلة، إذ أوقفت مصر زحف قوةٍ لم تعرف الهزيمة من قبل، وكسرت سيف المغول الذي أرعب الممالك من الصين حتى أوروبا.
بدأت القصة حين اجتاح المغول بقيادة هولاكو بلاد المسلمين، فأسقطوا بغداد عام 1258م وقتلوا آخر الخلفاء العباسيين، ثم توجهوا نحو الشام فاحتلوا حلب ودمشق. كانت أخبارهم تبعث الرعب في القلوب، إذ لم يكن أحد قادرًا على صدّهم. لكن مصر في عهد المماليك كانت مختلفة؛ فهي الدولة الوحيدة التي احتفظت بجيش قوي ومنظم، وروح قتالية عالية اكتسبتها من تجاربها الطويلة في مواجهة الصليبيين.
عندما وصلت رسائل التهديد من هولاكو إلى مصر، رد السلطان قطز بعبارة خلدها التاريخ: “يا أمراء المسلمين، قاتلوا عن دين الله، قاتلوا عن الإسلام!” ثم أمر بقتل رسل المغول، في إعلان صريح أن أرض الكنانة لن تُخضع لغازٍ ولا مستبد. بدأ الاستعداد للمعركة، فجمّع قطز جيوشه من المماليك والفلاحين والقبائل العربية، وسار بهم شمالًا نحو فلسطين، حيث التقى جيش المغول بقيادة كتبغا نوين، أحد أمهر قادة هولاكو.
اختار المماليك موقع عين جالوت بين الناصرة وبيسان، لما يتميز به من وديان وتلال مناسبة لخطة الهجوم المباغت. وضع الظاهر بيبرس في طليعة الجيش لتجذب قوات المغول إلى الداخل، بينما اختبأت الكتائب الرئيسية خلف التلال استعدادًا للهجوم الحاسم. ومع انطلاق المعركة، نفذ بيبرس خطة التراجع الكاذب ببراعة، فتبعهم المغول إلى داخل الوادي، وهنا دوّى صوت السلطان قطز صارخًا: “واإسلاماه!” لينقضّ الجيش المصري بكامله على العدو في هجوم كاسح أربك صفوف المغول ودمرهم تمامًا.
انتهت المعركة بانتصار ساحق للمماليك ومقتل كتبغا، وكانت أول هزيمة حقيقية يتكبدها المغول منذ تأسيس إمبراطوريتهم. حفظت مصر بهذا النصر كرامة الأمة الإسلامية، ومنعت سقوط العالم العربي في أيدي الغزاة. وبعد المعركة، أصبحت القاهرة مركز الخلافة الإسلامية الجديدة، بعدما نقل إليها المماليك الخليفة العباسي من بغداد، لتبدأ مرحلة جديدة من الريادة المصرية في العالم الإسلامي.
لم تكن عين جالوت مجرد معركة عسكرية، بل كانت ملحمة بطولية أثبتت أن الإرادة والوحدة قادرتان على مواجهة أي قوة مهما بلغت. فقد كسرت مصر في ذلك اليوم أسطورة الجيش الذي لا يُهزم، ورفعت راية الإسلام عاليًا فوق وادي فلسطين. ومنذ ذلك الحين، ظلت ذكرى عين جالوت رمزًا للصمود والانتصار، ودليلًا على أن مصر حين تتوحد، لا تُقهر أبدًا.



