تاريخ ومزارات

العمارة المملوكية مدارس ومآذن تحكي مجد مصر عبر الحجارة

 

كتبت شيماء طه

لم تكن دولة المماليك مجرد قوة عسكرية سيطرت على مصر والشام، بل كانت أيضًا من أكثر الفترات ازدهارًا في تاريخ العمارة الإسلامية.

وفقد ترك المماليك بصمتهم في كل زاوية من القاهرة، المدينة التي تحولت في عهدهم إلى متحف مفتوح تتجاور فيه المدارس والمساجد والمآذن والقباب، لتروي حكاية مجدٍ عمره قرون.

 

العمارة المملوكيةمنذ تأسيس دولتهم في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، أدرك سلاطين المماليك أن العمارة وسيلة لتخليد أسمائهم وتأكيد هيبتهم السياسية والدينية. فبنوا المدارس لتعليم القرآن والفقه، وشيدوا المساجد والمآذن التي جمعت بين الجمال والقوة، حتى أصبحت القاهرة تُعرف باسم “مدينة الألف مئذنة”.

كانت المدارس المملوكية من أبرز معالم تلك الحقبة، إذ جمعت بين الوظيفة التعليمية والروحانية في آنٍ واحد. ومن أشهرها مدرسة السلطان حسن بالقلعة، التي تعد من أعظم ما بُني في العالم الإسلامي من حيث الضخامة والدقة الهندسية. تمتاز المدرسة بتصميمها المتوازن، إذ تضم أربع إيوانات تمثل المذاهب الإسلامية الأربعة، وساحة فسيحة تتوسطها نافورة وضوء يدخل من قباب عالية تُضفي سكينة وروحانية. كما أن الزخارف الحجرية والخشبية والنقوش القرآنية التي تزين جدرانها تُظهر مدى براعة الحرفيين المماليك في المزج بين الفن والإيمان.

أما المآذن المملوكية، فكانت عنوان الفخر والتميز. تنوّعت أشكالها بين المربّع والمستدير والمثمن، وجاءت مزخرفة بالنقوش والأشرطة الحجرية الدقيقة، وقد حرص المعماريون المماليك على جعل المئذنة رمزًا بصريًا يدل على عظمة المسجد وسلطان بانيه.

ويُعد الجامع المؤيدي وجامع السلطان برقوق وجامع قايتباي من أبرز الأمثلة التي تجسد هذا الفن الراقي، حيث تتعانق المآذن مع السماء في تناغم فريد يعبّر عن روح القاهرة الإسلامية.

ولم تقتصر العمارة المملوكية على المساجد والمدارس، بل شملت القباب الجنائزية والخانقاوات والتكايا. فقد برع المماليك في بناء الأضرحة التي تجمع بين الجلال والسكينة، مثل قبة الإمام الشافعي وقبة قايتباي بمدينة الموتى، حيث نُحتت الأحجار بدقة مذهلة وزُينت الأسقف بالألوان والزخارف الهندسية. أما الخانقاوات، فقد كانت دورًا للعبادة والتعليم الصوفي، مثل خانقاة بيبرس الجاشنكير التي تمثل تحفة معمارية من الطراز الأول.

تميزت العمارة المملوكية باستخدام الحجر المنحوت بدلاً من الطوب، ما منح المباني صلابة وجمالًا استثنائيًا. كما استخدموا الفسيفساء، والأرابيسك، والمقرنصات لإضافة لمسات فنية دقيقة تعكس ذوقًا رفيعًا وروحًا هندسية مبدعة. ولم يكن الاهتمام بالجمال الفني مجرد ترف، بل تعبير عن الإيمان بأن العمارة عبادة بحد ذاتها، وأن الجمال طريق إلى التقوى.

اليوم، ما تزال عمارة المماليك شاهدة على عبقرية المصريين وقدرتهم على مزج الفن بالروح والعقل. فكل مئذنة في القاهرة القديمة تحكي قصة سلطانٍ أراد أن يخلّد اسمه، وكل مدرسة تحمل رسالة علمٍ وإيمان. لقد كانت العمارة المملوكية مرآة عصرٍ جمع بين القوة والذوق الرفيع، فبقيت مآذنهم ومدارسهم تتحدى الزمن، تذكّر الأجيال بأن مصر كانت وستظل منارةً للحضارة والجمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى