كنيسة مار يوسف البتول في العمارة ذاكرة جنوبية تصارع النسيان
في أحد أقدم الأحياء الشعبية بمدينة العمارة تقف كنيسة مار يوسف البتول شاهدة على تاريخ طويل من التعايش والتنوع، شيدت الكنيسة على الطراز القديم، تحيط بها غرف سكنية وباحة داخلية يعرفها العراقيون باللهجة المحلية باسم حوش، وما زالت أرضياتها مكسوة ببلاط القرشي الذي كان يصنع قديما ويمنح المكان طابعا تراثيا مميزا يعكس روح الزمن الذي بنيت فيه.
تاريخ كنيسة مار يوسف البتول
تحمل باحة الكنيسة عددا من قطع المرمر المنقوشة بشواهد وكتابات تؤرخ لتاريخها، ومن بينها ما يثبت تشييدها على يد مؤسسها آل حنا الشيخ عام 1940، غير أن لؤي وهو أحد أفراد عائلتين سريانيتين فقيرتين تقيمان داخل الكنيسة يؤكد أن بناءها يعود إلى تاريخ أقدم من ذلك، مشيرا إلى صورة معلقة في أروقتها كتب عليها كنيسة العمارة للسريانيين عام 1928، وهو ما يعزز رواية أن عام 1940 كان تاريخ ترميم لا تأسيس.
يتحدث رئيس مؤسسة الهدى للدراسات الاستراتيجية في محافظة ميسان الكاتب والمدون جمعة المالكي عن دلالة وجود دور عبادة لطوائف مختلفة في مدينة العمارة، مؤكدا أن ميسان عبر أقضيتها ونواحيها تمثل نموذجا للتعايش السلمي منذ قرون طويلة، يوضح المالكي أن المحافظة احتضنت طوائف غير مسلمة عاشت بسلام مع الأغلبية المسلمة، حيث يوجد أتباع للطائفة الكلدانية المسيحية ولهم كنيسة أم الأحزان، إضافة إلى كنيسة مار يوسف البتول التي أسسها حنا الشيخ، وهي شخصية معروفة على مستوى العراق تركت آثارا وأملاكا لا تزال شاهدة حتى اليوم، كما تعيش عوائل مسيحية ومندائية في مناطق ميسان المختلفة في أجواء من الاحترام المتبادل.
الفقر والهجرة والفراغ
دفعت قسوة الظروف المعيشية وضعف الحالة المادية عائلتين سريانيتين إلى اتخاذ الغرف المحيطة بالكنيسة سكنا لهما، رغم المخاطر التي تهددها بسبب تقادم البناء واحتمال انهياره، جاء هذا الواقع بعد رحيل الغالبية العظمى من العوائل السريانية عن محافظة ميسان، بمن فيهم العائلة المالكة والمشيدة للكنيسة، حيث غادرت المحافظة وبعضها هاجر إلى خارج البلاد بحثا عن الأمان والاستقرار.
يوضح المالكي أن محافظة ميسان تحولت منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الغزو الامريكي عام 2003 إلى منطقة طاردة للسكان، حيث غادرها أكثر من أربعة ملايين مواطن من أبنائها، بمن فيهم السريان وغيرهم، نتيجة الأوضاع الامنية والضغوط السياسية وصعوبة العيش بعد فقدان الكثير من مقومات الحياة.
شواهد قبور وقبة جرس
تضم باحة الكنيسة شواهد قبور لرجال ونساء من عوائل سريانية عاشت في المدينة، وتحمل هذه الشواهد أسماء وتواريخ وفاة يعود بعضها إلى ثلاثينيات القرن الماضي، كما تتميز الكنيسة بقبة عالية يتوسطها جرس نحاسي يطل من أعلى الأبنية في مركز مدينة العمارة، ليشكل علامة معمارية وروحية مميزة في أفق المدينة.
شهدت الكنيسة زيارات دينية رفيعة المستوى، كان أبرزها زيارة بطريرك السريان الكاثوليك الانطاكي في العالم مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان في مايو عام 2021، حيث أدى صلاة الشكر داخلها، ورافقته خلال الزيارة وزيرة الهجرة والمهجرين العراقية ايفان جابرو، في خطوة حملت بعدا رمزيا للاهتمام بهذا الإرث الديني.
إرث مهدد ورسالة باقية
رغم هذه الزيارات، ما زالت الكنيسة تعاني الاهمال وتواجه خطر الانهيار، خاصة بعد مغادرة ساكني الطابق العلوي نتيجة تهالك البناء، تتعالى الأصوات المطالبة بالحفاظ عليها باعتبارها ارثا جنوبيا يعكس عمق التعايش السلمي وتنوع الطوائف في محافظة ميسان.
يطالب المالكي الجهات المعنية بدعم العوائل السريانية التي تقيم داخل كنيسة مار يوسف البتول، وتوفير سكن ملائم وسبل عيش كريمة لها، تمهيدا لاعمار الكنيسة وصيانتها بوصفها جزءا من ذاكرة ميسان وتاريخها الاجتماعي والديني.
في باحة الكنيسة تنتشر بالونات ملونة وبقايا شموع في قاعتها، بينما يزين أحد أبوابها زجاج ملون قديم تحول إلى منفذ للطيور التي وجدت في المكان ملاذا آمنا، لتبقى كنيسة مار يوسف البتول رغم وحدتها شاهدا حيا على تاريخ لا يزال ينبض في قلب العمارة.



