قبائل و عائلات

الفلان أبناء السهول الرحل حكاية قبيلة تعبر أفريقيا

من غامبيا غربا حتى السودان شرقا، أينما اتجهت في هذه الرقعة الواسعة من القارة الأفريقية ستجد حضور قبيلة الفلان واضحا في تفاصيل الحياة اليومية، في المراعي، في الأسواق، وفي العادات التي تشكل ملامح المجتمعات التي يعيشون بينها، قبيلة عابرة للحدود، لا تعترف بالخرائط الحديثة، وتتحرك وفق إيقاع الطبيعة والمطر والعشب.

قصة قبيلة الفلان

التغيرات المناخية التي ضربت منطقة الساحل الأفريقي خلال العقود الأخيرة تركت أثرا عميقا في حياة الفلان، فالجفاف وتراجع الأمطار قلصا مساحات الرعي، ودفعا الكثيرين منهم إلى البحث عن فرص جديدة، سواء بالانتقال إلى أطراف المدن أو بالسفر لمسافات أطول مع ماشيتهم، باعتبار الرعي جوهر وجودهم وأساس معيشتهم.

تشكل غينيا كوناكري أحد أهم مراكز قبيلة الفلان في غرب أفريقيا، كما ينتشر أفرادها بنسب كبيرة في غامبيا وغينيا بيساو والسنغال وموريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا، ويبرز حضورهم أيضا في دول وسط أفريقيا، خاصة الكاميرون وتشاد وأفريقيا الوسطى، إضافة إلى وجودهم التاريخي في السودان، ما يجعلهم من أكثر القبائل الأفريقية انتشارا وتداخلا مع بيئات متعددة، في منطقة دوربالي التي تبعد نحو مئة كيلومتر شرق العاصمة التشادية انجمينا، نظمت جمعية تابيتال مهرجانا ثقافيا جسد جانبا من تراث قبيلة الفلان وعاداتها اليومية، من المأكل والملبس إلى الرقصات الشعبية ومظاهر الحياة التقليدية،  المهرجان عكس ارتباط القبيلة الوثيق بالماشية، إذ ظهر رعاة الفلان برفقة مواشيهم المعروفة محليا باسم غنم امبرورو، في مشهد يعكس هوية لم تنفصل عن الأرض والحيوان.

تهتم جمعية تابيتال بالحفاظ على تراث قبيلة الفلان وتنمية مناطق انتشارها في تشاد، وتمتد أنشطتها عبر مكاتب وهيئات في مختلف الدول الأفريقية التي يتواجد فيها أبناء القبيلة، إلى جانب مكاتب في دول غربية، تعمل ضمن رابطة تجمع مهاجري الفلان وتسعى للحفاظ على هويتهم الثقافية أينما وجدوا.

التعليم معركة الوعي

يؤكد الحاج عثمان أحمد رئيس جمعية تابيتال أن من أبرز التحديات التي تواجه القبيلة مسألة تعليم الأطفال، موضحا أن المشكلة لا تقتصر على نقص المدارس فحسب، بل تمتد إلى ضعف الوعي بأهمية التعليم. كثير من الآباء يفضلون بقاء أبنائهم في المراعي لمساعدتهم في رعي الأبقار بدلا من إرسالهم إلى المدارس، وهو ما يكرس دائرة الأمية داخل المجتمع.

تشير الإحصاءات إلى أن نسبة الأمية تصل إلى 77 بالمئة من السكان، وتزداد حدة هذه النسبة وسط قبيلة الفلان مقارنة بغيرها، بسبب اعتماد نمط حياتهم على الترحال المستمر والانشغال الدائم بالماشية، ما يجعل التعليم في نظر البعض أمرا ثانويا أمام متطلبات البقاء اليومي.

رحلة شاقة بحثا عن العلف

أثرت التغيرات المناخية بشكل مباشر على حياة الفلان، فالجفاف الذي ضرب منطقة الساحل قلل من توفر المراعي الطبيعية، وأجبر الرعاة على قطع مسافات أطول بحثا عن العلف، يقول رئيس جمعية تابيتال إنه بات يقطع أكثر من ألف كيلومتر خلال موسم واحد ليضمن لماشيته غذاء كافيا، وهو أمر لم يكن مألوفا في العقود الماضية.

اليوم لم يعد الكلأ متوفرا كما كان، وأصبحت بعض المناطق لا تستوعب بقاء الرعاة سوى عشرة أيام قبل أن يضطروا للرحيل، ما يزيد من المسافات المقطوعة ويضاعف إرهاق البهائم، ويشكل عبئا كبيرا على الرعاة الذين يرافقونها في ظروف قاسية.

موسم المطر فرح الحياة

بالقرب من قرية هجليجي في منطقة لينجا شرقي انجمينا، التقت الجزيرة نت الراعي محمد الذي قدم من ولاية أداماوا شمال شرقي نيجيريا بحثا عن عمل، مؤكدا أنه لا يجيد مهنة غير الرعي، وجد في هذه القرية من يوفر له عملا مقابل سبعين دولارا شهريا لرعي الأغنام، وهو دخل بسيط لكنه يضمن له الاستمرار في نمط الحياة الذي يعرفه.

ترتبط حياة الفلان ارتباطا وثيقا بموسم الخريف، فصل الأمطار الذي تنتعش فيه الأرض وتنبت الأعشاب خلال هذا الموسم تتحدد أوضاعهم المعيشية طوال العام، وفيه تقام الاحتفالات وتنعش الأفراح، وتؤدى الرقصات التقليدية ابتهاجا بالمطر الذي يعني الحياة والاستقرار ولو مؤقتا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى