رمسيس الثالث.. حارس البوابة المصرية في وجه شعوب البحر والعواصف القادمة من الصحراء
رمسيس الثالث.. حارس البوابة المصرية في وجه شعوب البحر والعواصف القادمة من الصحراء
تعالَ يا صديقي، واجلس معي على ضفة النيل، حيث تهب نسائم التاريخ وتحمل في طياتها قصص الملوك الذين جعلوا من مصر قلعة لا تقهر، اليوم نحكي حكاية الملك رمسيس الثالث، الرجل الذي كان درعًا لمصر وسيفها في آنٍ واحد، آخر الملوك العظام في زمن الدولة الحديثة، الذي وقف أمام أعنف موجات الغزو التي عرفها العالم القديم، وكتب بدماء أعدائه ملحمة الخلود على جدران معبده في مدينة هابو.
قصة رمسيس الثالث
تولى رمسيس الثالث العرش بعد وفاة والده ست نخت، فوجد أمامه دولة قوية ومستقرة، فبدأ حكمه بهدوء نادر في تاريخ الفراعنة. كان في سنواته الأولى أشبه بالمهندس الذي يعيد ترتيب جدران بيته قبل العاصفة. بنى الحصون، حفر القنوات، دعم النوبة الجنوبية، وجعل منها حديقة آمنة تحت جناح مصر. لكن الرياح من الغرب لم تكن مطمئنة، فقد تحركت قبائل الليبيين، وعلى رأسهم المشوش والسبد، نحو الدلتا الخضراء طمعًا في أرض النيل الخصبة.
لم ينتظر رمسيس أن يصلوا إلى قلب البلاد، بل أرسل جيشه في حملة خاطفة كالصاعقة، سحق الغزاة وأسر قادتهم، وأدخل الناجين في خدمة الدولة، ومنذ تلك اللحظة، أدركت الأمم أن من يتحدّى مصر سيلقى مصيرًا لا يُحسد عليه، فغضب رمسيس يشبه فيض النيل، يبتلع كل من يقف أمامه.
شعوب البحر.. الموجة التي كادت تبتلع الحضارة
مرت سنوات من السلام، حتى جاء العام الثامن من حكمه، ليشهد حدثًا غيّر خريطة الشرق القديم. موجة بشرية هائلة تحركت من أوروبا وآسيا الصغرى عُرفت باسم شعوب البحر، تحالف من قبائل ومحاربين يبحثون عن أرض جديدة بعدما دمروا ممالك الحيثيين والحوريين. لم يكونوا مجرد جيش، بل شعوبًا كاملة من رجال ونساء وأطفال، يسيرون على اليابسة ويبحرون في أساطيل ضخمة متجهين نحو مصر، آخر جنة خضراء على وجه الأرض.
كان رمسيس الثالث يرى الخطر من بعيد، فاستعد كما يستعد النسر للعاصفة، أرسل طلائع جيشه إلى حدود سوريا، حيث وقعت أولى المعارك البرية الكبرى، و صور النقوش في معبد مدينة هابو هذه اللحظات الخالدة، إذ يظهر الملك على عربته الحربية، يقود صفوف المقاتلين بنفسه، وسهامه تمطر الأعداء حتى امتلأت الأرض بجثثهم، وبعد أن كُسرت شوكتهم برًا، حاولوا غزو مصر بحرًا عبر أحد فروع النيل، لكن المصريين كانوا في انتظارهم.
نصب رمسيس كمينًا بحريًا محكمًا، وأشعل النار في سفن الغزاة، حتى تحول البحر إلى جحيم من الدخان والدماء، وبهذا الانتصار الساحق، أنقذ مصر من الغزو الأكبر في تاريخها، وأعاد الأمان إلى دلتا النيل.
العودة الليبية ومحاولة الثأر
لكن العدو لا ينسى هزيمته في العام الحادي عشر من حكمه، عادت قبائل ليبيا مع المشوش وخمس قبائل أخرى، تتسلل من الغرب متخفية في هيئة مهاجرين، وانتظر رمسيس حتى اكتمل غدرهم، ثم باغتهم بنفسه، ثم خاض المعركة بنفس الشجاعة التي عرفها به المصريون، فقتل الآلاف، وأسر ملكهم مششر، وتقدم حتى أراضي ليبيا مطاردًا فلولهم، قبل أن يعيد الاستقرار إلى حدود مصر الغربية.
لم يكن رمسيس الثالث مجرد قائد عسكري، بل كان أيضًا سياسيًا بارعًا يعرف كيف يحافظ على التوازن بين القوة والعدل، أعاد النظام إلى الدولة، وواصل دعم المعابد، وازدهرت التجارة والزراعة في عهده، وبالرغم من المؤامرات التي دبرت ضده في أواخر حكمه، بقي اسمه محفورًا كآخر ملوك المجد في الدولة الحديثة، وآخر من جعل من مصر قوة يخشاها الجميع.
الدروس الخالدة من زمن رمسيس الثالث
تخبرنا حكاية هذا الملك أن مصر، منذ فجر التاريخ، كانت دائمًا هدفًا للغزاة، لكنها أيضًا كانت تعرف دائمًا كيف تنهض من كل عاصفة، فكما تصدى رمسيس لشعوب البحر قبل ثلاثة آلاف عام، لا تزال مصر اليوم تواجه تحدياتها بالإرادة نفسها.
إن جدران مدينة هابو لا تروي فقط قصة حرب قديمة، بل تسجل درسًا خالدًا: أن المجد لا يورث، بل يصنع بالشجاعة والعقل، وأن مصر، طالما فيها أبناء يشبهون رمسيس الثالث، ستظل درع الشرق وقلب الحضارة النابض بالحياة.



