جمال الدين الأفغاني.. المفكر الثائر الذي أيقظ الشرق في وجه الاستعمار
أسماء صبحي– يعد جمال الدين الأفغاني واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ العربي والإسلامي الحديث. وأحد أبرز رواد النهضة الفكرية والسياسية في القرن التاسع عشر. ولم يكن الأفغاني عالم دين تقليديًا ولا سياسيًا بالمعنى الكلاسيكي. بل مفكرًا ثوريًا جاب العواصم الإسلامية محاولًا إيقاظ الوعي الجمعي في مواجهة الاستبداد الداخلي والتغلغل الاستعماري الغربي.
نشأة جمال الدني الأفغاني
ولد جمال الدين عام 1838، وتباينت الروايات حول مسقط رأسه بين أفغانستان وإيران. وهو خلاف انعكس لاحقًا على هويته السياسية والفكرية. إلا أن هذا الجدل لم يحدّ من تأثيره، بل زاده غموضًا وحضورًا في الأوساط الفكرية.
وتلقى الأفغاني تعليمًا دينيًا وفلسفيًا واسعًا وأتقن عدة لغات منها العربية والفارسية والتركية. مما مكنه من التواصل مع نخب فكرية متعددة، ومن نشر أفكاره في بيئات مختلفة.
مشروعه الفكري
تمحور فكر جمال الدين حول فكرة وحدة العالم الإسلامي في مواجهة الاستعمار الأوروبي الذي رأى فيه الخطر الأكبر على استقلال الشعوب الإسلامية. كما هاجم الجمود الفكري ودعا إلى إعمال العقل، واعتبر أن تراجع المسلمين سببه التخلي عن روح الاجتهاد.
لم يكن الأفغاني معاديًا للعلم الغربي بل دعا إلى الاستفادة منه دون الذوبان في ثقافته. مؤكدًا أن النهضة لا تتحقق بالتقليد الأعمى، بل ببناء مشروع حضاري مستقل.
صدامه مع السلطات
بسبب أفكاره الجريئة دخل الأفغاني في صدامات متكررة مع السلطات في عدة دول. ففي مصر، أثّر في جيل كامل من المثقفين أبرزهم محمد عبده، لكنه أبعد بعد اتهامه بالتحريض السياسي. وفي إسطنبول، اصطدم بالسلطان عبد الحميد الثاني رغم تقاطعهما في بعض المواقف المعادية للنفوذ الغربي.
كما تنقل بين الهند، وإيران، وأوروبا، مستخدمًا الصحافة والخطابة وسيلة لبث أفكاره. وكان حضوره في أي عاصمة كفيلًا بإثارة القلق لدى الحكام.
الصحافة كأداة نضال
أسس جمال الدين مع تلميذه محمد عبده مجلة “العروة الوثقى” في باريس عام 1884. والتي تحولت إلى منبر ثوري فكري دعا إلى مقاومة الاستعمار ونشر الوعي السياسي بين المسلمين. وقد حظرت المجلة في معظم البلدان الإسلامية بسبب تأثيرها الواسع.
نهاية غامضة
توفي الأفغاني عام 1897 في إسطنبول في ظروف غامضة. ورغم وفاته ظل تأثيره حاضرًا بقوة إذ اعتبر الأب الروحي لكثير من الحركات الإصلاحية والسياسية في العالم الإسلامي.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور عبد الإله بلقزيز، المفكر والباحث في الفكر العربي الحديث، إن جمال الدين الأفغاني هو أول من حوّل فكرة الإصلاح من وعظ أخلاقي إلى مشروع سياسي فكري شامل. وربط بين الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية ربطًا عضويًا.



