عادات و تقاليد

الدلة والفنجان.. عادات صب القهوة وتقديمها للضيوف عند البدو

أميرة جادو

تعد القهوة من أساسيات الاستقبال والضيافة عند البدو، وفي البداية لم يكترث الناس إليها، حيث كانت تقدم  عند أمير القرية أو كبير الجماعة ونحو ذلك، فمن أراد تناول القهوة أتى إلى مجلس القهوة وقت تقديمها، وهو بعد صلاة الظهر وبعد صلاة الفجر، إذ لا يعرفون النوم في الصباح، حتى إذا جاء ضيف أو زائر، ذهبوا به في مجلس الدلال ليقدم له القهوة، حتى ولو في غير وقت تقديمها.

أما النساء فلا تشرب القهوة ولا تعرفها ولا تقرب محلها، فتعتبر من المعايب عندهم، ثم أصبح بعض الرجال يشتري له أدوات تحضير القهوة في بيته حتى انتشرت في جميع المنازل، لذلك صارت النساء تشربها خفية، حتى كثر فيهم كلام الشعراء يهجنون حالة شرب النساء القهوة، كما قالت الفتاة الشريفة تفتخر بالتزامها الأنوثة والعفاف :

أنا أحمد الله مــا شربت القهاوي

ولا وقفت بدرب ذربين الايمــان

ثم أصبحت لديهم عادة جيدة، حيث كان الرجل يدعو الرجال إلى قهوته بصوت النجر حال دق القهوة فيه، ويطلق عليه بعضهم الهاون، والنجر من الصفر الأصفر الصلب، يظهر له طنین يسمع من بعد، إن أراد صاحبه ذلك، لأنه إعلام لمن سمعه فإذا اراد أحدهم تناول القهوة  فيحضر.

وتعد هذه العادة من عادات الرجل الطيب عندهم، حيث يقوم بوضع القهوة بعد حمسها وتبريدها قليلًا  في النجر، والنجر له عمود يدوي يمسكه بيده يدق به القهوة، ويضع يده الأخرى مفروشة على فوهة النجر حول العمود، تمنع تناثر القهوة وصوت النجر حالة ضربها، فإذا هشمها به جعل يثلث النجر، فضربتين على تحت على البن، وضربة عرضا على جانب النجر، ومعها يرفع يده المفروشة قليلا عن حافة النجر، ليظهر طنینه عاليا، ثم يعود يدق على القهوة البن، ضربتين ثم يضرب جانب النجر، فيقولون هذا فلان ثل النجر فيأتونه فيرحب بهم.

قال الشاعر :

ودقــــــه بنجر يسمعـــه كل مشتاق

راع الهوى يطرب إيلاطق باخفوق

صب القهوة

ولديهم فن آخر للاستمتاع بالقهوة، وهو كيفية صبها، فلو تصبها له ذاك الوقت كصب بعض أهل وقتنا، لعزفت نفسه عنها ولم يأخذ الفنجان من يدك، ويسمونها صبة نسائية.

أما عن طريقتهم في سكب أو صب القهوة ، فغالباً يقف أحدهم، وإن كان فيهم جذع فهو يقوم، فيأخذ الدلة بيده اليسرى على البيز، ويمسكها بأسفل عروتها، ويجعل أصبعه الإبهام وأشجعه داخل العروة، فيرفعها ممسكًا بالفنجان باليمني أمامها، فيصب فيه بخفة، نازلاً بالفنجان إلى تحت حال الصب، ثم يرفع الفنجان بخفة مع انتهاء الصب، فيضرب بحافته طرف مصب الدلة، فيسمع له صقع.

وقالوا في أمثالهم: (صقع فناجيل بلا قهوة- في الأمر الذي ليس له نتيجة)، يدور المسئول عن تقديم القهوة على الجالسين، ويصب هكذا جالساً إذا كان الرجال قليلا، ولا يصب إلا هكذا حتى لنفسه، ويجعلون مصب الدلة ممتدا أشماً، لينطلق منه الصب على المطلوب، ولا يكثر الصبة بالفنجان، بل مقدار ربعه أو أقل، فإن زادت عن ذلك نثر الزيادة بالأرض، وأكثرهم لا يكثر شربها دفعة واحدة، فهي من المعايب عندهم، ولا يشربها باردة، بل قريبا من الغليان، فيرشفها رشفاً يتبردها بين شفتيه وأسنانه.

قال الشاعر :

فنجالها شفـــه من بين الاشافي

ياكِن يقلع من شفا شاربه شِيف

والجدير بالذكر، هناك عادة أخر في تقديم القهوة، وهي فعل صباب القهوة ، فبعضهم احذق من بعض، فإذا قام يصب الصبة المذكورة آنفاً وهو قائم، فإنه يبعد عن الجالس قليلاً، احتراماً للجالس، وحتى لا يوسخ ثيابه إن نثر من الفنجان شيء أو انكسر، ويحني ظهره وذراعه قليلاً بعد الصب، ويقدم الفنجان للجالس حذاء يده، فيأخذه بسهولة وبدون تكلف .

المصدر

كتاب ” طرائف ذكريات وعجائب في أحوال الأولين والسوالف”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى