حوارات و تقارير

​(هبة الله) قصة الصرخة التي كسرت صمت 18 عاماً وأرّخت لثورة الطب في مصر

كتبت شيماء طه

​في زاوية هادئة من ذاكرة عام 1986، لم يكن الأمر مجرد “سبق طبي” تصدر العناوين، بل كانت معركة إرادة خاضتها مجموعة من عقول مصر النيرة ضد المستحيل. القصة لم تبدأ في غرفة العمليات، بل بدأت بحلم مشترك لمجموعة من الأطباء قرروا أن يضعوا حداً لدموع آلاف الأمهات اللواتي حُكم عليهن بالعقم، او كما قالت دكتورة رجاء منصور فى جريدة الأهرام ( انا حَميت بيوت من الخراب والهدم بسبب الإنجاب) ليؤسسوا أول مركز لأطفال الأنابيب في تاريخ مصر.
​المخاطرة الكبرى حين راهن الأطباء بمالهم وكل ما يملكونه
​بعيداً عن إجراءات ميزانية الحكومة أو دعم المؤسسات ورجال الأعمال، كانت البداية (ذاتية) بامتياز. في تلك الفترة، اجتمع الدكتور محمد أبو الغار، والدكتورة رجاء منصور (بخبرتها العالمية التي نقلتها إلى قلب القاهرة)، والدكتور جمال أبو السرور. هؤلاء الرواد لم يقدموا علمهم فحسب، بل استثمروا مدخراتهم الشخصية ليأتوا بأحدث التقنيات إلى مصر في وقت كان البعض يرى في الأمر (نوعاً من الخيال) أو ترفاً علمياً لا يناسب الواقع فى شئ . كان الإيمان بالرسالة هو المحرك الوحيد، وسط تحديات تقنية واجتماعية لا يستهان بها.
​18 عاماً من الانتظار ولحظة ميلاد (هبة الله)
​خلف الأرقام الطبية، تكمن قصة إنسانية تقشعر لها الأبدان. سيدة مصرية، صابرة، مرّت على زواجها ثمانية عشر عاماً وهي تتنقل بين الأطباء، تطرق أبواب الأمل التي كانت تُغلق دائماً بكلمة “لا يوجد حل”.
​في عام 1986، اهتزت جدران المركز بصوت بكاء طفلة صغيرة، أطلقوا عليها اسم (هبة الله) لم يكن مجرد اسم، بل كان اعترافاً بأن العلم ما هو إلا وسيلة لمنحة إلهية. كانت “هبة” هي الدليل القاطع على نجاح التجربة، لتصبح أول طفلة أنابيب مصرية، وتتحول قصتها إلى بارقة أمل لكل بيت مصري يعاني من غياب ضحكات الأطفال.
​حين احتضن الدينُ العلمَ وصدح الأزهر بنوره
​بالتوازي مع التحدي الطبي، كانت هناك “معركة وعي” في الشارع المصري. هل هذا حلال؟ هل يختلط فيه النسب؟ هنا تجلت عظمة المؤسسة الدينية في مصر ، لم يقف الأزهر الشريف موقف المتفرج، بل غاص في تفاصيل العلم، ليخرج بتشريع تاريخي كان بمثابة “حائط الصد” ضد التشكيك والإحتمالات.
​أعلن الأزهر بوضوح: طالما أن الحيوان المنوي من الزوج والبويضة من الزوجة والرحم هو رحم الأم صاحبة البويضة، فإن هذا التدخل الطبي هو نوع من التداوي، وهو حلال شرعاً بل ومستحب لإدخال السرور على قلب المؤمن. كان هذا الموقف المستنير هو الوقود الذي دفع المركز للاستمرار دون خوف من ملاحقات اجتماعية أو دينية.

و​اليوم، ونحن نسترجع شريط الذكريات، لا ننظر إلى “هبة الله” كحالة طبية، بل ننظر إليها كعنوان لمرحلة انتقلت فيها مصر من مجرد “متابع” للتقدم العلمي إلى “صانع” له. بجهود الدكتور أبو الغار ورفاقه، تحول العقم من “قدر محتوم” إلى “مشكلة قابلة للحل”، وظل المركز شاهداً على أن يد الطبيب المصري ، قادرة على تحقيق المعجزات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى