تاريخ ومزارات

حرب الفجار… الدم الذي كسر حرمة الأشهر الحرم وأشعل صراع العرب

تعد حرب الفجار من أشهر أيام العرب في عصر الجاهلية، وقد حملت هذا الاسم بسبب ما شهدته من سفك دماء واسع واستباحة للحرمات، حيث تجاوزت القبائل كل القيود التي كانت تلتزم بها، خاصة حرمة القتال في الأشهر الحرم، وهو ما جعل هذه الحرب تترك أثرًا عميقًا في ذاكرة العرب، كما يرى بعض المؤرخين أن سبب التسمية يرجع بشكل مباشر إلى وقوع القتال في هذه الأشهر التي كان العرب يعظمونها ويحرمون فيها القتال.

قصة حرب الفجار

يرجع تاريخ هذه الحرب إلى ما يقارب عشرين سنة بعد عام الفيل، وبعد وفاة عبد المطلب بنحو اثنتي عشرة سنة، وقد مرت هذه الحرب بأربع جولات متتالية، بدأت الأولى بين كنانة وهوازن، ثم جاءت الثانية بين قريش وكنانة، أما الثالثة فجمعت كنانة وبني نضر بن معاوية ولم تشهد قتالا عنيفا، بينما كانت الجولة الرابعة والأخيرة هي الأعظم، حيث تحالفت قريش وكنانة في مواجهة هوازن في صراع شديد استمر لسنوات.

تفصل بين الجولة الأخيرة من هذه الحرب وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم نحو خمس وعشرين سنة، وقد شهد النبي هذه الجولة الأخيرة بنفسه، وهو ما يضيف بعدا تاريخيا مهما لهذه الأحداث التي شكلت جزءا من ملامح المجتمع العربي قبل الإسلام.

بدأت شرارة الحرب من حادثة تبدو بسيطة لكنها تحولت إلى صراع كبير، حيث كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة يرسل كل عام قافلة تجارية تعرف باللطيمة، محملة بالبضائع النفيسة مثل الحرير والطيب والمسك، إلى سوق عكاظ، وفي أحد الأيام اجتمع عنده رجلان بارزان، الأول البراض بن قيس الكناني الذي عرف بالتمرد والخروج عن قومه، والثاني عروة بن عتبة المعروف بالرحال من قبيلة قيس عيلان والذي اشتهر بكثرة تنقله بين الملوك.

طلب النعمان من الحاضرين أن يتولى أحدهم حماية القافلة حتى تصل إلى عكاظ، فبادر البراض بعرض حمايتها داخل حدود كنانة، لكن النعمان أراد من يضمن لها الأمان بين كنانة وقيس، وهنا تدخل عروة بثقة كبيرة مؤكدا قدرته على تأمين القافلة عبر كل القبائل، وهو ما أغضب البراض ودفعه إلى تتبع القافلة في الخفاء.

استغل البراض فرصة غفلة عروة، فهاجمه وقتله بالقرب من عكاظ، ثم استولى على الإبل وأكمل طريقه نحو السوق، لتتحول هذه الجريمة إلى شرارة أشعلت واحدة من أعنف الحروب في تاريخ العرب.

كانت القبائل العربية مجتمعة في سوق عكاظ عندما وصل خبر مقتل عروة، فسارع أحد رجال بني أسد بن خزيمة إلى تحذير كنانة من رد فعل قيس، وهو ما دفع كنانة إلى الانسحاب نحو مكة والاحتماء بالحرم، لكن قيس لحقت بهم، ووقف الطرفان على حافة مواجهة داخل مكان له قدسية كبيرة حتى في الجاهلية.

اتفق الطرفان على تأجيل القتال إلى العام التالي في عكاظ، لكن الصراع اندلع بالفعل خلال الأشهر الحرم، وهو ما أكد سبب تسمية الحرب بالفجار، واستمرت المعارك بين الجانبين نحو خمس أو ست سنوات، تبادلا خلالها الانتصارات والهزائم في صراع طويل أنهك الجميع.

بدأت الغلبة في البداية لصالح قيس، لكن كنانة استعانت بقريش، فتحول ميزان القوة لصالح هذا التحالف، واستمرت الحرب مشتعلة حتى تدخل شاب من قريش يتمتع بالحكمة يدعى عروة بن ربيعة، حيث سعى إلى إنهاء هذا النزاع الذي طال أمده.

توجه عروة إلى ساحة القتال وخاطب المتحاربين متسائلا عن سبب اقتتالهم، ثم عرض عليهم الصلح القائم على مبدأ دفع الديات والعفو المتبادل، وبعد مناقشات وافق الطرفان على إحصاء القتلى، ليتبين أن عدد قتلى قيس يزيد عن قتلى قريش وكنانة بعشرين رجلا.

من أجل إتمام الصلح، قدم حرب بن أمية ابنه أبا سفيان رهينة، كما قدم عدد من زعماء القبائل أبناءهم ضمانا حتى تسدد الديات كاملة، وبهذا الاتفاق وضعت الحرب أوزارها وانتهى أحد أكثر الصراعات دموية في الجاهلية.

شهد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحرب، لكن مشاركته لم تتجاوز حدود المساندة، حيث كان يساعد أعمامه من خلال رد السهام عنهم دون أن يشارك في القتال المباشر، وقد شارك أعمامه الزبير بن عبد المطلب والعباس وحمزة في صفوف قريش.

روى النبي عن تلك الفترة أنه كان يرد السهام عن أعمامه، وكان عمره في ذلك الوقت يتراوح بين الرابعة عشرة والعشرين سنة، وقد اختلف العلماء في إثبات هذه المشاركة، حيث أيدها عدد من المؤرخين مثل ابن إسحاق وابن سعد والذهبي وابن كثير، بينما شكك فيها آخرون، ويبقى العلم عند الله وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى