مسجد المضمار في عمان: أول مسجد في البلاد وقصة إسلام مازن بن غضوبة

شهدت المساجد منذ بدايات انتشار الإسلام حضورًا واسعًا في مختلف المناطق العربية، بل وفي كل بقعة وصلتها رسالة الإسلام، وتنوعت هذه المساجد في أسمائها، إذ حمل كثير منها أسماء من شيدها، أو أسماء الصحابة والأولياء الصالحين، لذلك ليس مستغربًا أن يتكرر اسم المسجد في أكثر من مدينة أو حتى داخل المدينة الواحدة.
وعادة ما يحظى المسجد الأقدم أو الأكبر بشهرة أوسع مقارنة بغيره، رغم أن جميعها تؤدي الوظيفة نفسها، كما يرتبط بعضها باسم بانيه الذي أنشأه من ماله الخاص.
يعد مسجد المضمار في سلطنة عمان أول مسجد أُقيم في البلاد، ويقع في مدينة سمائل التابعة للمنطقة الداخلية، وقد بناه الصحابي الجليل مازن بن غضوبة، الذي يُعد أول من أسلم من أهل عمان، وأول من نقل رسالة الإسلام إليها بعد لقائه بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.
تشير المصادر التاريخية إلى أن المسجد شُيّد في السنة السادسة للهجرة، عقب عودة مازن بن غضوبة من المدينة، وهو ما أكده المؤرخ بدر الدين الشبلي الدمشقي المتوفى عام 769 هجريًا، وقد خضع المسجد لعملية ترميم عام 1979، مع الحفاظ على طابعه المعماري الأصلي.
وصف المسجد
يتميز المسجد حاليًا ببناء حديث نسبيًا، حيث تتكون جدرانه الخارجية من حجارة السقوف العمانية الشهيرة، التي جُلبت من منطقة بركة الموز، وينقسم المسجد إلى قسمين: الأول مخصص للوضوء والخدمات، والثاني يضم المصلى، الذي يحتوي على مدخلين، وأبواب مصنوعة من الخشب المقوى وفق الطراز العماني التقليدي.
مئذنة المسجد صغيرة مقارنة بغيرها، ويحيط بالمصلى 12 نافذة طولية تسمح بدخول الضوء بشكل جيد، إلى جانب وجود ثريات داخلية، ويتسع المصلى لنحو 300 مصلٍ، وتغطيه سجادة بلون فيروزي مائل للأزرق، مخصصة بشكل فردي للمصلين.
تغلب البساطة على التصميم الداخلي، حيث يسود اللون الأبيض في السقف والجدران، مع وجود زخارف من البورسلين والخزف ذات طابع إسلامي، وقد روعي خلال الترميم الحفاظ على الشكل الأصلي، مع تعزيز البنية التحتية وإضافة وسائل حديثة مثل مكبرات الصوت.
كما يحتوي المسجد على بئر ماء تقليدي يمده باحتياجاته، مع نظام حديث لاستخراج المياه، في مشهد يجمع بين التراث والتحديث.
الطابع المعماري
تعكس بساطة مسجد المضمار روعة العمارة العمانية التقليدية، إذ بُني على مستوى مرتفع قليلًا عن الأرض، وتأتي مئذنته على شكل كتلة أسطوانية بسيطة، ويخلو المحراب من الزخارف الكثيفة، حيث يغلب عليه الطابع الهادئ واللون الذهبي، ما يعزز الشعور بالخشوع.
ويمثل المسجد نموذجًا للمساجد القديمة في المنطقة الداخلية، التي تتسم بردهات مستطيلة أو مربعة، تسبقها ساحة مفتوحة، مع زخارف محدودة تتركز داخل المصلى.
قصة إسلام مازن بن غضوبة
تروى قصة إسلام مازن بن غضوبة كإحدى القصص المؤثرة في تاريخ دخول الإسلام إلى عمان، حيث كان يعبد صنمًا يُدعى ناجر وذات يوم، سمع صوتًا يخرج من الصنم يدعوه إلى الإيمان بنبي من مضر وترك عبادة الأصنام.
وبعد تكرار هذا المشهد، وصله خبر ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الحجاز، فحطم الصنم، وقرر السفر إلى المدينة المنورة، وهناك التقى بالنبي، فشرح له الإسلام فأسلم، ودعا النبي لأهل عمان بالهداية والخير.
من شعر مازن بن غضوبة
إليك رسول الله خبت
تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
لتشفع لي يا خير من وطئ الحصى
فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج
ويُذكر أن “العرج” موضع يقع قرب المدينة المنورة.
ويظل مسجد المضمار شاهدًا حيًا على بدايات الإسلام في عمان، ورمزًا تاريخيًا يجمع بين البساطة المعمارية والعمق الروحي والتاريخي.



