سر الكحل في سبت النور.. حكاية عادة شعبية تمتد جذورها إلى المصريين القدماء

يعتبر الكحل فى مناسبة “سبت النور” من أكثر العناصر حضورًا فى الذاكرة الشعبية المرتبطة بهذا اليوم، حيث تحتفظ المخيلة المصرية بعادة قديمة تتعلق بالعين والزينة والحماية والبركة، غير أن النظر إلى هذه العادة من منظور التاريخ الثقافى يكشف عن جذور أعمق بكثير، تعود إلى طبقة ضاربة فى القدم من تاريخ مصر، حين كان الكحل جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، ومادة تجمع بين التجميل والعلاج والوقاية فى آن واحد، وتشير الشواهد الأثرية المحفوظة داخل المتاحف إلى أن المصريين القدماء استخدموا دهان العين على نطاق واسع، سواء من الرجال أو النساء، كما خصصوا له أوعية دقيقة وأدوات تطبيق، بما يؤكد أنه كان ممارسة مستقرة وممتدة فى ثقافتهم.
شواهد أثرية
تكشف القطع الأثرية المرتبطة بالكحل فى الفن المصرى القديم عن هذا الحضور بوضوح لافت، إذ يعرض متحف المتروبوليتان نماذج متعددة من أوانى الكحل التى تعود إلى عصور مختلفة، منها إناء يرجع إلى الأسرة الحادية عشرة، أى إلى الفترة ما بين 2051 و2000 قبل الميلاد، وهو ما يعنى أن استخدام الكحل مثبت منذ عصور مبكرة للغاية.
كما تعرض جرة أخرى من بدايات الأسرة الثامنة عشرة، وجد بداخلها بقايا من معدن الجالينا، الذى عد من أبرز المكونات الأساسية للكحل الأسود فى مصر القديمة.
وهذه الأدلة المادية تؤكد أن الكحل لم يكن مجرد أداة تجميل، بل عنصرًا حاضرًا فى تفاصيل الحياة الشخصية، حتى إنه كان يوضع ضمن مقتنيات المتوفين داخل بعض المدافن.
الكحل بين الزينة والوقاية
لم يكن الكحل فى مصر القديمة مقصورًا على الجانب الجمالى فقط، بل حمل وظائف أوسع، حيث تشير الدراسات المرتبطة بالطب المصرى القديم إلى أن دهان العين كان يحضر من معادن مثل المالاكيت والجالينا، ويتم طحنها ومزجها بمادة دهنية قبل وضعها حول العين باستخدام أعواد دقيقة.
وكان اللون الأخضر الناتج عن المالاكيت أقرب إلى الزينة، بينما ارتبط اللون الأسود المستخرج من الجالينا بوظائف متعددة، من بينها تقليل وهج أشعة الشمس، وإبعاد الحشرات، والمساهمة فى الوقاية من أمراض العيون المنتشرة فى البيئة المصرية. بل إن بعض المصادر المتحفية تضع دهان العين فى مرتبة متقدمة من حيث دوره الوقائى، مباشرة بعد الماء.
دلالات حضارية ورمزية
وتتضح القيمة الحضارية للكحل حين نراه فى سياق فهم المصريين القدماء لعلاقة الجسد بالبيئة المحيطة، فقد فرضت الشمس القوية، والغبار، والحشرات، وأمراض العيون واقعًا جعل العين موضع اهتمام خاص، ومن هنا بدا الكحل وكأنه نقطة التقاء بين التجميل والطب.
كما أن تزيين بعض أوعية الكحل بصور الإله “بس”، المرتبط بالحماية ودرء الشرور، يضيف بعدًا رمزيًا مهمًا، ويؤكد أن استخدام الكحل لم يكن خاليًا من دلالات اعتقادية تتعلق بالحماية والوقاية.
من الحضارة إلى العادة الشعبية
انطلاقًا من هذا السياق، يمكن تفسير استمرار حضور الكحل فى الذاكرة المصرية عبر العصور، وصولًا إلى ارتباطه بعادات شعبية فى مناسبات دينية مثل “سبت النور”.
ففى حين لا تشير المصادر الكنسية إلى الكحل كجزء من الطقس الدينى نفسه، فإنها تصف “سبت النور” بأنه ليلة انتظار النور والقيامة، بينما تحتفظ الذاكرة الشعبية بعادة التكحيل فى هذا اليوم بوصفها فعلًا رمزيًا يرتبط بالعين والضوء والحماية.
وهكذا يلتقى الموروث الشعبى بطبقة أقدم من التاريخ، حيث تعيد الثقافة توظيف عنصر قديم داخل سياق جديد.
رحلة عبر الزمن
تظل قصة الكحل مثالًا لافتًا على قدرة بعض العناصر الثقافية على العبور من عصر إلى آخر دون أن تفقد جوهرها. فقد بدأ الكحل فى مصر القديمة كأداة تجمع بين الزينة والوقاية، ثم تحول عبر القرون إلى جزء من العادات الاجتماعية والشعبية، مع احتفاظه بعلاقته الوثيقة بالعين، باعتبارها موضع الجمال والحساسية والخوف من المرض فى الوقت ذاته.
ومن هنا تبدو عادة التكحيل فى “سبت النور” امتدادًا خفيًا لخيوط تربط المصريين المعاصرين بماضٍ بعيد، يعكس نظرة أجدادهم إلى الجسد والعالم من حولهم.



