قايتباي سلطان الحكمة والقوة الذي صنع مجد المماليك في زمن العواصف

في أحد أسواق القاهرة المملوكية العتيقة، وقف تاجر يعرف بالخواجا محمود يعرض مملوكا شابا قوي البنية، تلمع في عينيه شرارة طموح لا تخطئها النظرات رغم حاله البسيط، اشتراه السلطان الأشرف برسباي بخمسين دينارا فقط، مبلغ زهيد لم يتخيل أحد وقتها أنه يمثل بداية حكاية ستقود هذا الشاب ليصبح واحدا من أعظم سلاطين المماليك في التاريخ.
قصة قايتباي
بعد وفاة برسباي، وخلع ابنه العزيز يوسف بعد شهور قليلة، انتقل المملوك الشاب إلى بيت المال، ثم اشتراه السلطان الظاهر جقمق، فأعتقه وقرّبه إليه وجعله من خاصته، ومن هنا بدأ الناس يعرفونه باسم قايتباي المحمودي الظاهري، نسبة إلى التاجر الذي باعه أول مرة والسلطان الذي منحه حريته وفتح له أبواب المجد.
بدأ صعوده داخل مؤسسات الدولة ببطء واضح، ثم تحول هذا التدرج الهادئ إلى صعود سريع لافت، ففي عهد الأشرف إينال حصل على رتبة أمير عشرة، ثم ترقى ليصبح أمير طبلخانة، وفي عهد الظاهر خشقدم تولى منصب شاد الشراب خاناه، وبعدها صار مقدم ألف، وخلال ثلاثة أشهر فقط من حكم الظاهر يلباي وصل إلى رأس نوبة النوب، ثم لم تمض ثلاثة أشهر أخرى في عهد الظاهر تمربغا حتى وصل إلى منصب أتابك العسكر، وهو أعلى منصب عسكري في الدولة.
وفي سنة 1468، وبعد فترة اضطراب شديدة هزت أركان الدولة، اجتمع الأمراء وبايعوا قايتباي سلطانا على مصر والشام والحجاز، وكان قد بلغ الخامسة والخمسين من عمره، فاتخذ لنفسه لقب الملك الأشرف أبي النصر سيف الدين قايتباي، ليبدأ عهدا جديدا حمل فيه مسؤولية دولة كاملة وسط تحديات لا تهدأ.
جاءت لحظة توليه الحكم مختلفة عن كل ما عرفه تاريخ المماليك، فعندما أخبره الأمراء باختيارهم له، رفض في البداية وأعرض عن المنصب، ثم غلبه البكاء وهم يلبسونه خلعة السلطنة، واشترط بوضوح ألا يوزع على الجند نفقة البيعة التي اعتاد السلاطين تقديمها لكسب الولاء، وعندما أحضروا السلطان السابق تمربغا أمامه، وكان صديقا قديما له، تأثر الاثنان بشدة وبكيا، واعتذر قايتباي له عما حدث، ثم أرسله إلى دمياط مكرما محفوظ الكرامة.
تميز قايتباي طوال حياته بأنه لم يتعرض للاعتقال أو النفي أو مصادرة الأموال، وهو أمر نادر في زمن المماليك الذي امتلأ بالمؤامرات والانقلابات، عاش متدينا يميل إلى التصوف، يوقر العلماء والفقهاء والأولياء، وكان يتأثر بشدة عند سماع الموعظة في مسجد القلعة، فيرتجف جسده ويسارع إلى تقبيل يد الخطيب تقديرا له، ومر ذات يوم بجنازة امرأة غريبة لا أهل لها، فنزل عن فرسه وصلى عليها بنفسه، بينما امتنع تماما عن الصلاة على مملوك علم أنه مات وهو في حال سكر.
واجه السلطان تحديات كبيرة في الداخل والخارج، وتعامل معها بحكمة وحزم، ففي الداخل عانى من صراعات المماليك وتعدد ولاءاتهم، إضافة إلى شغب المماليك الجلبان الذين اعتدوا على الناس، وتمردات العربان الذين قطعوا الطرق ونهبوا القرى، لم يلجأ إلى القتل في مواجهة الإينالية، بل حاول كسبهم وأرسلهم في حملات بعيدة ليبعدهم عن الفتن، أما الجلبان فتعامل معهم مرة باللين ومرة بالشدة، حتى وقف بينهم يوما بشجاعة وقال إنه حاضر بينهم وإن أرادوا قتله فليفعلوا، كما اعتمد على صديقه يشبك الدوادار في مواجهة العربان حتى أخضعهم وأوقف خطرهم.
اقتصاديا، شكلت الحملات العسكرية عبئا كبيرا عليه، إذ وصلت تكلفتها إلى نحو سبعة ملايين دينار، واضطر أحيانا إلى أخذ أموال بعض التجار، لكنه كان يعيدها لهم عندما تسمح الظروف، وعندما ارتفعت أسعار القمح فتح مخازنه الخاصة وطرح الحبوب بأسعار مناسبة، وأمر بملاحقة المحتكرين، كما ألغى نفقة أولاد الناس إلا لمن أثبت مهارته في الرماية، حتى يوجه الموارد لدعم الجيش.
ضرب الطاعون البلاد ثلاث مرات خلال حكمه، وفقد في المرة الأولى ابنه وابنته الصغيرين، ثم فقد أخته في المرة الثانية، وفي الثالثة التي وقعت سنة 1492 مات ما يقارب مئتي ألف إنسان، ورغم هذه الخسائر القاسية حافظ على تماسك الدولة واستمرار قوتها ولم يسمح للأزمات أن تهدم بنيانها.
في الخارج، خاض صراعات مع الإمارات التركمانية المتمردة، فأرسل ثلاث حملات ضد شاه سوار أمير دلغادر حتى تمكن من أسره وقتله، كما دخل في صراع مع حسن الطويل وابنه في إمارة آق قويونلو، وخسر خلال إحدى المعارك صديقه يشبك الدوادار، لكنه استطاع في النهاية فرض هدنة أنهت النزاع.
أما علاقته مع العثمانيين، فبدأت عندما استقبل الأمير جم ابن السلطان محمد الفاتح بعد هروبه من أخيه بايزيد الثاني، فغضب بايزيد وأرسل حملات عسكرية، لكن قوات المماليك صدتها أربع مرات وتوغلت داخل أراضيه، وهو ما دفع الطرفين إلى عقد هدنة سنة 1494 أكدت قوة الدولة المملوكية ومكانتها.
وفي البحر، اهتم بتحصين السواحل فبنى قلعة رشيد وقلعة الإسكندرية الشهيرة، ومد السلاسل لحماية الموانئ، وتعامل مع القراصنة الكاتالان بأسلوب جمع بين السياسة والقوة، وعندما تعرضت غرناطة للحصار من الإسبان لم يتمكن من إرسال جيش، فاختار الضغط السياسي عبر رجال الكنيسة في القدس، وهدد بإغلاق الكنائس، وروج لفكرة تحالف مع العثمانيين، مما ساهم في تأجيل سقوطها لفترة.
رغم تقدمه في العمر، ظل نشيطا يدير شؤون الدولة بنفسه، فكان يجلس للفصل في المظالم، ويتنكر أحيانا ليجوب البلاد ويستمع إلى شكاوى الناس مباشرة، ويحاسب المسؤولين بنفسه، وأحب العمارة فأنشأ المساجد والمدارس والسبل والقلاع، واهتم بتجديد عمارة المسجد النبوي في المدينة المنورة.
وفي سنة 1496، تعرض لوعكة صحية شديدة أصابته بالدوسنطاريا وقيح في البطن، ورفض أن يعين ابنه محمد وليا للعهد بسبب سلوكه، لكن الأمراء بايعوا الابن سلطانا وهو في الرابعة عشرة بعد إعلان خلع والده بسبب مرضه، وفي اليوم التالي رحل قايتباي عن الدنيا عن عمر بلغ خمس وثمانين سنة.
اتصف بطول القامة ونحافة الجسد وملامح يغلب عليها الشحوب، وكانت لحيته تميل إلى الشيب، وظهر عليه وقار عميق وسكينة واضحة، تزوج مرة واحدة فقط، ولم ينج له من الأبناء سوى ابنه محمد.



