العصيدة في الجزائر حكاية الجذور التي ترويها الذاكرة قبل ان تكتبها الايديولوجيا
تعود العصيدة بدقيق القمح الى عمق التاريخ الامازيغي حيث حافظت على مكانتها كواحدة من اقدم الاكلات المتجذرة في ثقافة شمال افريقيا، ويقوم الناس بطبخها بشكل متماسك ثم يضيفون اليها زيت الزيتون والسكر او العسل الطبيعي، وترتبط هذه الاكلة بمناسبة ولادة مولود جديد حيث تقدم للمرأة بعد الولادة خلال فترة النفاس، ولم يأت هذا التقليد من فراغ بل اعتمد على معرفة قديمة بفوائد المكونات الطبيعية، اذ يستخدم الناس زيت الزيتون والعسل في مداواة الجروح والتعافي من اثار الحمل والولادة، وهو ما يعكس وعيا عميقا لدى الاجداد بقيمة الغذاء ودوره في العلاج.
تاريخ العصيدة
تنقل المصادر التاريخية القديمة تفاصيل هذه العادات التي مارسها اللوبيون الامازيغ منذ عصور بعيدة، حيث تعاملوا مع الطعام كجزء من نظام حياة متكامل يحمل دلالات ومعاني واضحة، ولم يفصلوا بين الاكل والصحة او بين العادة والفائدة، ولذلك ارتبطت العصيدة لديهم بمناسبة الولادة باعتبارها مرحلة تحتاج الى دعم الجسد واستعادة قوته، ويؤكد هذا الارتباط ان هذه الاكلة وجدت قبل ظهور الديانات المعروفة وقبل اي محاولات لربطها بسياقات دينية لاحقة.
يرى البعض ان تحضير العصيدة في بعض المناسبات الدينية يرتبط بعقائد معينة، لكن الحقيقة ان هذا الربط جاء لاحقا نتيجة تشابه المناسبة مع حدث الولادة، فمجتمعات شمال افريقيا اعتادت تقديم العصيدة في كل ما يتعلق ببداية الحياة، ولهذا استمرت العادة مع اختلاف السياقات دون ان تغير اصلها او معناها، فالمسألة تعود الى تقليد اجتماعي قديم اكثر من ارتباطها بأي تفسير ديني مباشر.
تختلف طريقة تحضير العصيدة في شمال افريقيا عن غيرها من البلدان بشكل واضح، ففي ليبيا وتونس والجزائر والمغرب يعتمد الناس على دقيق القمح مع زيت الزيتون والعسل او السكر وتقدم بشكل متماسك، بينما تعتمد دول اخرى مثل السودان واليمن على دقيق الذرة وتقدم العصيدة بشكل سائل، وهذا الاختلاف يعكس تنوع الثقافات الغذائية ويؤكد ان لكل منطقة خصوصيتها في الطهي دون الحاجة الى الخلط او المقارنة غير الدقيقة.



