الملكة ديهيا سيدة أوراس التي واجهت الفتح الأموي وحكمت الأمازيغ بقبضة قوية

تعد الملكة ديهيا، التي عرفت في عدد من المصادر باسم الكاهنة، من أبرز النساء اللواتي تركن أثرا عميقا في تاريخ المغرب قبل اكتمال الفتح الأموي، فقد شكلت نموذجا لامرأة جمعت بين قوة الشخصية والحنكة السياسية والقدرة على إدارة الحكم في مرحلة مضطربة من تاريخ المنطقة، واستطاعت أن تفرض حضورها في زمن كانت الصراعات فيه تحدد مصير الشعوب والقبائل.
من هي الملكة ديهيا
حكمت ديهيا إحدى الممالك الأمازيغية في بلاد المغرب مدة خمس وثلاثين سنة، وتذكر بعض الروايات أنها عاشت مائة وسبعاً وعشرين سنة، قبل أن تقتل سنة أربع وسبعين للهجرة في المواجهة الأخيرة مع القائد الأموي حسان بن النعمان، ويذكر اسمها كاملا ديهيا تابنة نيفان، وقد عرفت بشدة بأسها وقوة شكيمتها، وتولت زمام الحكم بحزم وحكمة في ظرف تاريخي معقد
بعد مقتل كسيلة زعيم قبيلة أوربة الأمازيغية، التي كان موطنها وليلي قرب مكناس الحالية، اتجهت جيوش الأمويين نحو مناطق نفوذ ديهيا، فالتفت حولها قبائل أمازيغية عديدة، وكان من أبرز من ساندها قبائل بني يفرن، فعملت على توحيد صفوف الأمازيغ وتنظيم مقاومتهم، وتمكنت من تحقيق انتصار مهم على القوات الأموية، وطاردتهم حتى أخرجتهم من إفريقية التي تمثل تونس حاليا، فتعزز نفوذها واتسعت هيبتها بين القبائل
تراجع حسان بن النعمان إلى برقة، وأقام بها فترة ينتظر الإمدادات من الخليفة عبد الملك بن مروان، ثم عاد بجيش جديد سنة أربع وسبعين للهجرة، وهاجم مملكة ديهيا من جديد، فدارت معارك عنيفة انتهت بتفريق جموعها وقتلها، واقتحام جبل أوراس الذي اتخذته معقلا لها
أورد عبد الرحمن ابن خلدون في كتاب العبر تفاصيل عن سيرتها، فذكر أنها ملكت قومها خمساً وثلاثين سنة، وتحدث عن نسبها ضمن قبائل زناتة التي عدها من أعظم قبائل البربر وأكثرها عددا وبطونا، وأشار إلى أن موطن جراوة من زناتة كان جبل أوراس، وأن رئاسة القوم انتهت إلى ديهيا بنت تابنة بن نيفان، وأن لها ثلاثة أبناء ورثوا مكانة قومهم، وأنها استبدت بالرئاسة بما عرفت به من قوة شخصية ومعرفة بأحوال قومها وتدبير شؤونهم
وقد أطلق عدد من المؤرخين، خاصة من العرب، لقب الكاهنة على ديهيا، وهو وصف ارتبط في الروايات بكونها ذات بصيرة ومعرفة واسعة بأحوال قومها وعواقب الأمور، سواء فسر ذلك على أنه بعد ديني أو على أنه تعبير عن فراستها السياسية
تبقى ديهيا واحدة من أبرز النساء في تاريخ شمال إفريقيا، فقد قادت مرحلة مفصلية من الصراع، ووحدت قبائل متفرقة تحت راية واحدة، وخاضت مواجهات كبرى دفاعا عن نفوذها وسلطتها، ولذلك يستحضرها كثيرون ضمن قائمة نساء عظيمات في التاريخ تركن بصمات واضحة في مسار أوطانهن.



