الشيخ ظاهر العمر الزيداني.. زعيم قبلي أسس دولة في شمال فلسطين
أسماء صبحي – في تاريخ الشرق الأوسط، لا تقتصر الزعامة القبلية على إدارة شؤون العشيرة فحسب، بل تحولت أحيانًا إلى مشروع سياسي متكامل. ومن أبرز النماذج على ذلك الشيخ ظاهر العمر الزيداني، الزعيم القبلي الفلسطيني الذي استطاع في القرن الثامن عشر أن يؤسس كيانًا سياسيًا شبه مستقل في شمال فلسطين، متحديًا النفوذ العثماني، ومغيرًا ملامح الحكم في المنطقة لعقود.
نشأة الشيخ ظاهر العمر الزيداني
ينتمي ظاهر العمر إلى قبيلة الزيداني العربية، التي استقرت في الجليل الأسفل شمال فلسطين. ولد في أواخر القرن السابع عشر في بيئة قبلية زراعية، حيث كانت الأرض والزراعة والتجارة عناصر أساسية في تشكيل النفوذ. منذ شبابه برز كقائد يتمتع بالحزم والدهاء، ما مكّنه من فرض سيطرته على محيطه المحلي مبكرًا.
من شيخ محلي إلى حاكم إقليمي
بدأ ظاهر العمر مسيرته كشيخ قبلي يدير شؤون القرى التابعة لعشيرته. لكنه سرعان ما أدرك أن القوة الحقيقية تكمن في التحكم بالاقتصاد، لا السلاح وحده. وعمل على تأمين طرق التجارة، وشجع الزراعة خاصة زراعة القطن، الذي أصبح مصدر دخل رئيسي مكّنه من بناء جيش محلي وتحصين المدن.
عكا عاصمة الحلم السياسي
اتخذ الشيخ ظاهر من مدينة عكا مركزًا لحكمه، وحولها من مدينة ساحلية محدودة التأثير إلى عاصمة سياسية واقتصادية مزدهرة. وقام بتحصين أسوارها، وبناء الموانئ، وتنظيم الإدارة، ما جعله لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاهله. ولم يكن حكمه قائمًا على القمع بل على تحالفات مع العائلات والقبائل المحلية.
العلاقة مع الدولة العثمانية
رغم تبعيته الاسمية للدولة العثمانية، تمتع ظاهر العمر باستقلال واسع في إدارة شؤون منطقته. ودخل في صراعات سياسية وعسكرية مع الولاة العثمانيين، لكنه في المقابل حافظ على توازن دقيق مكنه من البقاء في الحكم لأكثر من أربعة عقود. وهي مدة استثنائية في تلك المرحلة المضطربة.
زعامة قبلية بطابع مدني
تميز ظاهر العمر عن كثير من الزعماء القبليين بقدرته على الانتقال من منطق العشيرة إلى منطق الدولة. وأنشأ نظامًا ضريبيًا منظمًا، ووفر الأمن للتجار، وشجع الهجرة والاستقرار. مما أدى إلى ازدهار اقتصادي غير مسبوق في الجليل والساحل الفلسطيني.
ويقول الدكتور ماهر الشريف، الباحث في التاريخ الاجتماعي والسياسي لبلاد الشام، إن الشيخ ظاهر العمر الزيداني يمثل حالة نادرة لزعيم قبلي استطاع أن يتحول إلى مؤسس كيان سياسي فعلي. وقوته لم تنبع من العصبية القبلية فقط، بل من فهمه العميق للاقتصاد والتحالفات الدولية في شرق المتوسط.
مع تصاعد التوتر مع الدولة العثمانية، قررت إسطنبول إنهاء تجربة ظاهر العمر بالقوة. وبعد حصار عكا، قتل الشيخ عام 1775 لتطوى صفحة واحدة من أكثر التجارب السياسية المحلية استقلالًا في تاريخ فلسطين العثمانية.



