تاريخ ومزارات

عثمان دقنة.. القائد الذي دوخ الإمبراطورية البريطانية على سواحل البحر الأحمر

أسماء صبحي – في سجل التاريخ العربي والإفريقي، تبرز أسماء قادة لم تنصفهم الكتابات الرسمية رغم تأثيرهم العميق في مجريات الأحداث. ومن بين هؤلاء يلمع اسم عثمان دقنة، أحد أبرز القادة العسكريين في السودان خلال القرن التاسع عشر، ورمز من رموز المقاومة الشعبية ضد الاستعمار البريطاني في منطقة البحر الأحمر.

نشأة عثمان دقنة

ولد دقنة في مدينة سواكن شرقي السودان عام 1840 تقريبًا، في بيئة تجارية ساحلية تختلط فيها الأعراق والثقافات. ونشأ وسط مجتمع يعتمد على التجارة البحرية والرعي، وهو ما أكسبه منذ صغره معرفة دقيقة بطبيعة الأرض والطرق والمسالك الجبلية. وهي معرفة سوف تتحول لاحقًا إلى سلاح فعّال في مواجهة الجيوش الأجنبية.

في بداياته، عمل دقنة في التجارة، لكنه سرعان ما انجذب إلى الحركة المهدية التي كانت تنتشر في السودان آنذاك. داعية إلى مقاومة الحكم الأجنبي وإقامة نظام قائم على العدل والاستقلال.

التحول إلى قائد عسكري

مع انضمامه إلى الثورة المهدية، أثبت دقنة كفاءة عسكرية لافتة جعلته يتقدم بسرعة في صفوف القيادة. فلم يكن قائدًا تقليديًا يعتمد على المواجهة المباشرة، بل برع في حرب العصابات مستفيدًا من الطبيعة الجبلية الوعرة والصحراوية القاسية في شرق السودان.

قاد دقنة العديد من المعارك ضد القوات البريطانية والمصرية، وتمكن من تحقيق انتصارات أربكت القيادة الاستعمارية. خاصة في محيط سواكن وطريق البحر الأحمر، الذي كان شريانًا استراتيجيًا بالغ الأهمية للإمبراطورية البريطانية.

معارك صنعت اسمه

من أشهر معارك دقنة تلك التي خاضها ضد القوات البريطانية المدججة بالسلاح الحديث. حيث استطاع بجيش من المقاتلين المحليين إلحاق خسائر فادحة بالعدو رغم الفارق الكبير في العتاد والتنظيم.

اعتمد دقنة على الحشد القبلي، والروح الدينية، ومعرفة الأرض، مما مكنه من تحويل نقاط ضعف قواته إلى عناصر قوة. وقد اعترف قادة بريطانيون في مذكراتهم بصعوبة مواجهته، واصفين إياه بالقائد المراوغ الذي لا يُمسك بسهولة.

رمز للمقاومة الشعبية

لم يكن دقنة مجرد قائد عسكري، بل أصبح رمزًا للمقاومة الشعبية في شرق السودان. فقد نجح في توحيد قبائل متفرقة تحت راية واحدة، وربط بين النضال العسكري والدفاع عن الأرض والكرامة.

كما لعب دورًا اجتماعيًا مهمًا، إذ كان حريصًا على كسب ولاء الأهالي عبر العدالة في توزيع الغنائم، واحترام الأعراف القبلية، وعدم الاعتداء على المدنيين، وهو ما عزز مكانته في الوعي الشعبي.

الاعتقال والنهاية

مع تراجع الثورة المهدية وسقوطها أمام القوات البريطانية، تعرض عثمان دقنة للمطاردة المستمرة، إلى أن تم القبض عليه في نهاية المطاف. لم يعدم كما حدث مع قادة آخرين، بل أُسر وقضى سنوات طويلة في السجن في محاولة من الاستعمار لإخماد رمزيته وتأثيره.

ورغم الأسر والغياب القسري، ظل اسم دقنة حاضرًا في الذاكرة السودانية كأحد أبرز من قاوموا الاحتلال. ودفعوا ثمن مواقفهم من حريتهم وحياتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى