عادة الجرتق.. طقس سوداني فريد يجمع بين الملكية والخصوبة في الزواج
أسماء صبحي – في قلب الثقافة السودانية النيلية، تنتصر عادة قبلية فريدة من نوعها لم تعرف على نطاق واسع خارج حدود السودان وأطيافها النوبية: عادة الجرتق، وهي طقس معقد مرتبط بمراسم الزواج وأحيانًا مناسبات أخرى مثل ختان الصبيان أو الاحتفال بهدية مولود جديد. وهذه الطقوس ليست مجرد تقليد اجتماعي بسيط، بل تحمل في طياتها دلالات رمزية عميقة تربط بين الماضي السحيق والمعتقدات المعاصرة.
جذور عادة الجرتق
يمارس الجرتق بشكل رئيسي في المناطق الوسطى وشمال السودان على ضفاف نهر النيل خاصةً بين القبائل النوبيّة والجعلية مثل الجعليين، الرباطاب، المناصير، والميرفاب وغيرهم. وينظر إلى هذا الطقس باعتباره إرثًا ثقافيًا يمتد لآلاف السنين، يستند في الكثير من تفاصيله إلى الرموز والممارسات التي ظهرت في حضارات مروي وسوبا القديمة.
ولا يمارس الجرتق في العالم العربي أو الشرق الأوسط بشكل واسع خارج السودان مما يجعله حالة تراثية فريدة. إذ يمكن النظر إليه كمزيج من الاحتفال بالزواج وطقوس الملكية والخصوبة والحماية الروحية، ولا يزال يُمارس حتى اليوم رغم العولمة والتغيّر الاجتماعي.
طقوس الاحتفال
يبدأ الاحتفال بالجرتق غالبًا بعد مراسم الزواج التقليدية أو ضمن فعاليات ما قبل الزفاف، ويتضمن خطوات عديدة تمتزج فيها الرمزية الاجتماعية والروحانية. ومن أبرز العناصر:
- الملابس الحمراء: يرتدي العريس والعروس ملابس يغلب عليها اللون الأحمر، وهو لون مرتبط برموز الحياة والدم والحماية من الأرواح الشريرة.
- الرموز الملكية: يشبه العريس بالملك يرتديه عصابة رأس خاصة وعقود ذهبية وأحيانًا يحمل سيفًا أو سوطًا، في محاكاة رمزية لتتويج الملك في حضارات مروي القديمة.
- طقوس اللبن والحبوب: أحد العناصر الأساسية هو تبادل إناء اللبن بين الزوجين ورشه على بعضهما، وهو فعل يرمز إلى الخصوبة والوفرة. كما يتم تبادل الحبوب المختلفة مثل القمح والذرة والسمسم لرسم مشهد يفيض بالأمل في مستقبل مشترك وآمن.
- الأدعية والتعاويذ: ترافق الطقوس أدعية خاصة تهدف لدرء الحسد وجلب الفأل الطيب للعروسين.
يجعل هذا المزيج من الرموز الجرتق أكثر من مجرد احتفال؛ إنه طقس يشبه السير في حياة جديدة. وبين طياته تتداخل الهوية الجماعية والترابط الأسري والتاريخ الشعبي.
دور المرأة والمجتمع
من السمات اللافتة في طقوس الجرتق هو هيمنة النساء على تنفيذها. ويكن كبار العائلات النسائية مثل الأمهات والخالات والجدات في قلب الحفل يدبرن تفاصيل المراسم ويرشدن الزوجين خلالها.فيما يقتصر وجود الرجال في لحظات محددة فقط، مثل دور الخال. ويربط المجتمع المحلي هذه الهيمنة بدور النساء التقليدي في حفظ الذاكرة الجماعية ونقل الموروث الثقافي. مما يعطي للطقس بعدًا اجتماعيًا يعكس نظام القيم والمعتقدات داخل الأسرة الممتدة.
التحديات والاعتراف الدولي
حتى وقت قريب، كان الجرتق طقسًا محليًا لا يعرف خارج المجتمعات السودانية. لكن في ديسمبر 2025، تم إدراجه في قائمة التراث الثقافي غير المادي التمثيلي لليونسكو، ما ألقى الضوء الدولي عليه. ويأتي هذا الاعتراف في سياق جهود الحفظ أثناء الأزمات التي تواجه السودان، بما في ذلك النزاعات التي هددت التراث الثقافي والهوية الاجتماعية.
قال الدكتور معتز عبد الحليم، أستاذ دراسات التراث السوداني، إن إدراج هذه الممارسة في قائمة التراث غير المادي لليونسكو ليس فقط احتفاءً بطقس اجتماعي. بل درع لحماية هوية شعب بأكمله وسط الظروف الصعبة التي تعيشها المجتمعات السودانية اليوم. ويعكس هذا التصريح فهمًا عميقًا لأهمية الجوم ليس فقط كمظهر احتفالي للزواج، وإنما كجزء من سجل الذاكرة الجماعية لكثير من القبائل السودانية.



