حوارات و تقارير

لغز عمره 130 سنة.. قصة “حجر فرعوني” يعالج الصعايدة من لدغات العقارب السامة

أميرة جادو

كان على الطبيب محمد علي، أحد أطباء مدينة جرجا بمحافظة سوهاج، أن يدون تجربة غريبة لم يجد لها تفسيرًا علميًا، تتعلق بحجر فرعوني قديم يقال إنه قادر على شفاء لدغات العقارب السامة، بعدما قرر اختبار هذا الحجر على إحدى السيدات اللاتي تعرضن للدغ.

أصيب الطبيب بحالة من الدهشة الشديدة، خاصة أنه كان قد اصطاد ما يزيد على عشرة آلاف عقرب، في محاولة لحماية الأهالي من خطرها، لا سيما أن عقارب جرجا عرفت بضخامتها ولونها الأسود القاتم، وكانت لدغاتها مميتة في كثير من الأحيانن ولهذا، نشر الطبيب تجربته في مجلة «المقتطف» في مايو عام 1896م، في أواخر القرن التاسع عشر، مطالبًا العلماء والأطباء بإيجاد تفسير علمي لقدرة هذا الحجر الغامض على شفاء المصابين، رغم قناعته الداخلية آنذاك بأن السيدة ستفارق الحياة.

حجر العقرب

تحدث طبيب جرجا عن واقعة لدغ عقرب سام لسيدة في بنصر يدها اليمنى، فبادر بربط موضع اللدغة لمنع انتشار السم في باقي اليد، وطبق جميع الإجراءات الطبية المتاحة، لكنه تذكر أن أحد الأهالي أخبره بامتلاكه حجرًا قديمًا يستخدم لعلاج لدغات العقارب السامة.

طلب “الطبيب”، تجربة الحجر، فكان عبارة عن قطعة من الجرانيت الأسود منقوش عليها شكل عقرب، وقد وضعها صاحبها داخل علبة من الذهب.

كما قام “الطبيب”، أولًا بتشريط إصبع السيدة المصابة، ثم وضع الحجر على موضع الإصابة، فالتصق بالإصبع التصاقًا غريبًا، ما تسبب في ألم شديد للمريضة، حتى إنها صرخت قائلة إن ما وضع على إصبعها أشد ألمًا من لدغة العقرب نفسها.

وبعد مرور ربع ساعة، بدأ الألم في الزوال، فقام “الطبيب”، بفك الأربطة الأربعة التي كانت موضوعة على اليد، وبعد نصف ساعة أخرى سقط الحجر من تلقاء نفسه دون تدخل من الطبيب أو المريضة. وخلال ثلاث ساعات من وضع الحجر، اختفى الألم والسم تمامًا.

جرجا والعقارب

وقد أثار تعافي السيدة دهشة طبيب جرجا، إذ لم تعد تشكو أي ألم، وعادت لمباشرة شؤون منزلها بصورة طبيعية، وهو ما زاد من استغرابه، خاصة أن لدغة العقرب، نظرًا لضخامته وشدة سميته، كانت كفيلة بإنهاء حياتها خلال أربع وعشرين ساعة.

ودعا “الطبيب”، جميع الأطباء وأهل العلم، أثناء عرضه لتجربته، إلى تقديم تفسيرات علمية لهذا الحجر القديم الذي بدا وكأنه يمتلك قدرة على شفاء لدغات العقارب السامة.

تاريخ جرجا

وفي السياق ذاته، أشار الباحث التاريخي محمد سباق الحويطي، إلى أن علي باشا مبارك، في وصفه لمدينة جرجا، موضحًا أن كثرة العقارب والبراغيث فيها بسبب انتشار الأسباخ ورداءة الهواء آنذاك، كما أكد أن هذه الظاهرة تراجعت لاحقًا بفضل وجود الحكماء والأطباء، والاهتمام بالنظافة الدائمة في الحارات والشوارع، وإزالة التلال.

وأضاف “الحويطي”، أن الموروث الشعبي في قرى الصعيد يتحدث عن أحجار يعتقد أنها تشفي من لدغات العقارب، إلا أن تلك الأحجار اندثرت مع مرور الزمن، ولم يبق لها ذكر سوى في روايات كبار السن في القرى القديمة.

كما أوضح “الحويطي”، أن مشاهدات وتجربة طبيب جرجا محمد علي في أواخر القرن التاسع عشر تعد مشاهدات حية، كما أنها الرواية المدونة الوحيدة عن هذه الأحجار التي ورثها الأهالي عن أجدادهم من المصريين القدماء، والتي اختفى وجودها ولم يبق منها سوى الذكرى.

وشدد “الحويطي”، على أن جرجا مدينة صعيدية عريقة، تقع على الشاطئ الغربي للبحر الأعظم قبلي أسيوط، وأن كتب التاريخ تشير إلى أنها من أشهر مدن الصعيد، واحتوت على عدد كبير من المساجد الأثرية يقدر بنحو عشرين مسجدًا، شُيدت على طراز يشبه جوامع القاهرة، ومن بينها مسجد كانت جدرانه مزخرفة بالقاشاني، ويع رف باسم «جامع الصيني»، فضلًا عن أسواقها الشهيرة.

تمثال جد حور

ومن جانبه، يقول المؤرخ والأثري فرنسيس أمين، إن تمثال «جد حور» جرى اكتشافه عام 1918م، وهو محفوظ حاليًا بالمتحف المصري، ويستقطب اهتمام الزوار لما يتمتع به من جمال فني، وللاعتقاد السائد بقدرته على الشفاء، موضحًا أن الكاهن «زحر» كان يعيش في العصر الفرعوني، وتحديدًا عام 320 قبل الميلاد، وكان متخصصًا في علاج عضة الثعبان ولدغة العقرب، وعندما توفي صنع له هذا التمثال من الجرانيت، وزودت قاعدته بتجويف مغطى بتعاويذ سحرية تهدف إلى الوقاية من شر السم.

ولفت “أمين”، إلى أن التماثيل الشافية كانت منتشرة داخل المعابد، مؤكدًا أن الحضارة الفرعونية زاخرة بكهنة متخصصين في الطب، وهو ما تعكسه جدران المعابد التي تظهر عليها رسومات لآلات الجراحة الطبية، ومن أبرزها ما يوجد في معبد كوم أمبو بمحافظة أسوان.

وتابع “أمين”، أن المؤرخين يجمعون على أن الفراعنة كانوا أول من توصل إلى الطب النفسي والروحاني، وأن الخوف والهلع قد يكونان سببًا في الإصابة بالأمراض، موضحًا أن الاعتقاد بقدرة الفراعنة على الشفاء استمر من العصور القديمة وحتى القرون الوسطى في مختلف أنحاء العالم، بفضل مهارتهم الطبية الفائقة.

وأوضح “أمين”، أن المصري القديم عالج الخوف الناتج عن لدغات العقارب والثعابين باستخدام الماء، حيث ظهرت «طاسة الخضة»، مشيرًا إلى أن لدغات الثعابين القاتلة والعقارب السامة كانت يعقبها خوف شديد، ما دفع المصري القديم إلى معالجة هذا الخوف.

كما أكد “أمين”، أن الأوعية المرمرية المنقوش عليها أدعية الشفاء كانت جزءًا من هذه التقاليد، وكان الملوك يشربون منها طلبًا للحماية من الأمراض.

وأضاف “أمين”، أن استخدام قرون الخرتيت، المعروف باسم «سيد قشطة»، مع شرب الماء كان من البدايات العلاجية، إذ قدّس المصري القديم الخرتيت الذي كان موجودًا في صعيد مصر قديمًا، وكانت قرونه تهدى بغرض الشفاء، ويوضع بداخلها الماء لعلاج التسمم، وقد أثبت العلم الحديث أن قرن الخرتيت لا تقترب منه الحشرات، لافتًا إلى أن هذه العادة اختفت من الصعيد منذ سنوات طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى