عادات و تقاليد

القسامة القبلية.. طقس عدالة شفهي يحسم النزاعات في مجتمعات البدو بالشرق الأوسط

أسماء صبحي – قبل ظهور مؤسسات القضاء الحديثة، طورت القبائل في الشرق الأوسط منظومة دقيقة من الأعراف لضبط العلاقات الداخلية ومنع انفجار الصراعات. ومن بين هذه الأعراف، برزت عادة القسامة القبلية، وهي طقس اجتماعي قائم على الحلف الجماعي، يستخدم للفصل في قضايا الدم والاتهام بالقتل عندما تغيب الأدلة المادية. وعلى الرغم من تراجع حضورها اليوم، فإن القسامة شكلت لقرون طويلة أحد أهم أدوات تحقيق العدالة القبلية.

القسامة ليست مجرد أداء يميني، بل ممارسة اجتماعية ذات أبعاد نفسية ودينية عميقة، حيث تعد الكلمة المحلوفة التزامًا أخلاقيًا لا يمكن التراجع عنه. وفي المجتمعات البدوية، كان انتهاك اليمين يعد عارًا جماعيًا يلاحق الأسرة والقبيلة. وهو ما منح هذا الطقس قوة ردع تفوق أحيانًا العقوبات المادية.

جذور القسامة القبلية

تعود جذور القسامة إلى عصور قديمة في شبه الجزيرة العربية، حيث كانت المجتمعات تعتمد على السمعة والشرف كأساس للعلاقات الاجتماعية. وعندما يقع قتل غامض لا تعرف تفاصيله، كانت القسامة تستخدم كحل أخير لتجنب اندلاع ثأر دموي قد يمتد لسنوات.

وتقوم القسامة على أداء عدد من رجال القبيلة المتهمة أيمانًا مغلظة تؤكد براءتهم من الجريمة. ولا تؤدى هذه الأيمان بشكل فردي فقط، بل جماعي، بما يعكس فكرة المسؤولية المشتركة داخل البناء القبلي.

آلية التطبيق

عند الاشتباه في قبيلة أو عائلة بارتكاب جريمة قتل دون وجود شاهد مباشر، يطلب من عدد محدد من رجالها أداء اليمين أمام كبار القبيلة أو شيخ معروف بالحكمة والنزاهة. ويشترط أن يكون الحالفون من أصحاب السمعة الطيبة، إذ يعتقد أن الكذب في هذا الموضع يجلب اللعنة والعار على الجماعة بأكملها.

وفي حال رفض أداء القسامة، يعد ذلك اعترافًا ضمنيًا بالمسؤولية. ويترتب عليه دفع الدية أو التعرض لعقوبات اجتماعية قاسية قد تصل إلى النبذ أو المقاطعة القبلية.

وظيفة اجتماعية وأمنية

لم تكن القسامة مجرد بديل بدائي للقضاء، بل أداة فعالة للحفاظ على الأمن الاجتماعي. فمن خلال هذا الطقس، كانت القبائل تتجنب دوامة الثأر، وتغلق باب الاتهام وتعيد الاستقرار إلى المجتمع.

كما لعبت القسامة دورًا في ضبط السلوك، إذ كان مجرد التلويح بها كافيًا لردع بعض الجرائم. نظرًا لما تمثله من اختبار علني للشرف والصدق أمام الجماعة.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور سالم بن ناصر الحارثي، الباحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والمتخصص في النظم العرفية العربية، إن القسامة القبلية تمثل نظام عدالة قائمًا على الردع المعنوي أكثر من العقاب المادي. فهي تعتمد على الخوف من فقدان السمعة والشرف، وهو عنصر شديد التأثير في المجتمعات القبلية. وعلى الرغم من بساطتها الظاهرية، فإنها أدت دورًا بالغ الأهمية في تقليل النزاعات الدموية عبر التاريخ.

ويضيف: “مع تطور الدولة الحديثة، تراجع الاعتماد على القسامة، لكنها لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية. وتستدعى أحيانًا في المجتمعات الريفية والبدوية كمرجع أخلاقي وليس كإجراء قانوني”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى