موسم 27 رجب.. كيف تحيي قبائل الصعيد ليلة الإسراء والمعراج بطقوس متوارثة تجمع الدين والعادة
أسماء صبحي – في قلب صعيد مصر، لا تمر ليلة الإسراء والمعراج كذكرى دينية عابرة، بل تتحول إلى موسم اجتماعي وروحي تنتظره القرى والنجوع كل عام. هنا حيث ما زالت العادات القبلية حاضرة بقوة، تمتزج الشعائر الدينية بالتقاليد الشعبية في مشهد يعكس طبيعة المجتمع الصعيدي القائم على التماسك، والكرم، وروح الجماعة.
وتعرف الليلة في عدد من قرى الصعيد باسم “موسم 27 رجب” في إشارة إلى موعدها الشائع. حيث تتعامل معها العائلات كفرصة للتقارب، وتجديد صلة الرحم، وإحياء الذكر الجماعي في أجواء يغلب عليها الخشوع والبساطة.
الاستعداد لإحياء ليلة الإسراء والمعراج
قبل حلول ليلة الإسراء والمعراج، تبدأ الاستعدادات داخل البيوت الصعيدية، خاصة في محافظات مثل سوهاج، قنا، الأقصر، والمنيا. النساء يتولين إعداد أطعمة بعينها ارتبطت بهذه المناسبة عبر أجيال أبرزها الفطير الصعيدي الأبيض المصنوع يدويًا، والذي يقدم مع المرق أو التقلية، باعتباره رمزًا للخير والبركة.
ولا ينظر إلى الطعام هنا باعتباره مجرد عادة، بل كوسيلة للتعبير عن الضيافة والتكافل. حيث تفتح البيوت للزوار، ويوزع الطعام على الأقارب والجيران، في مشهد يعكس قيم المشاركة التي يتميز بها المجتمع الصعيدي.
حلقات الذكر
مع حلول المساء، تتجه الأنظار إلى المساجد والساحات الواسعة داخل القرى، حيث تقام حلقات الذكر والإنشاد الديني. يجتمع الرجال والشباب في صفوف متقاربة، تتعالى أصوات الابتهالات والمدائح النبوية. فيما تتابع النساء من المنازل أو من أماكن مخصصة وسط أجواء يسودها الخشوع.
وتحرص العائلات على اصطحاب الأطفال إلى هذه المجالس باعتبارها فرصة لغرس القيم الدينية في نفوسهم. وسرد قصة الإسراء والمعراج بأسلوب مبسط يربط الحدث بمعاني الصلاة والطاعة والصبر.
الاحتفال كمرآة للمجتمع القبلي
يؤكد الدكتور محمد عبد الهادي، الباحث في التراث الشعبي الصعيدي، أن هذه الطقوس تعكس طبيعة المجتمع القبلي في الصعيد. قائلًا: “ليلة الإسراء والمعراج في الصعيد ليست مجرد مناسبة دينية، بل موسم اجتماعي له جذوره في الثقافة القبلية. الاحتفال يعكس قيمًا أساسية مثل الكرم، واحترام الجار، ولمّ شمل العائلة الممتدة، وهي قيم حافظ عليها الصعايدة رغم تغير الزمن”.
ويضيف أن استمرار هذه العادات حتى اليوم يعكس قدرة المجتمع الصعيدي على التوفيق بين الدين والتراث، دون تعارض بينهما.
الدين والعادة
رغم اختلاف الآراء الفقهية حول تخصيص ليلة بعينها بطقوس محددة. فإن أهالي الصعيد ينظرون إلى هذه المناسبة باعتبارها فرصة لإحياء الطاعات وليس اختراع شعائر جديدة. فالصلاة، والذكر، والدعاء، والصدقة، كلها أعمال دينية مشروعة، يتم أداؤها في إطار اجتماعي يراعي طبيعة المكان والناس.
وتلعب المؤسسات الدينية الرسمية دورًا في توجيه هذا الاحتفال نحو المعاني الروحية. من خلال الخطب والدروس التي تركز على مكانة الصلاة التي فرضت في هذه الليلة باعتبارها جوهر الرسالة التي تحملها المناسبة.
ذاكرة جماعية تنتقل بين الأجيال
اللافت في احتفال الصعيد بليلة الإسراء والمعراج هو استمراريته عبر الأجيال. ويستعيد كبار السن ذكريات طفولتهم في هذه الليلة، حين كانت القرية بأكملها تتحول إلى ساحة واحدة. بينما يتعلم الجيل الجديد الطقوس ذاتها، وإن اختلفت التفاصيل.
ورغم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وأنماط الحياة الحديثة. ما زالت هذه الليلة تحتفظ بمكانتها في الوعي الجمعي للصعايدة باعتبارها رمزًا للتماسك الاجتماعي والروحاني في آن واحد.



