عادة الحمى القبلية.. نظام تقليدي لحماية الأرض في الشرق الأوسط
أسماء صبحي – في مناطق واسعة من الشرق الأوسط، خصوصًا في البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية. ما زالت بعض القبائل تحافظ على عادة الحمى، وهي نظام قبلي تقليدي يهدف إلى تنظيم استخدام الأرض وحماية المراعي والموارد الطبيعية من الاستنزاف. ورغم بساطة هذه العادة في ظاهرها، فإنها تعكس وعيًا بيئيًا واجتماعيًا متقدمًا سبق القوانين الحديثة بقرون طويلة.
ما هي عادة الحمى؟
الحمى هو تخصيص جزء محدد من الأراضي أو المراعي ليكون محميًا لفترة زمنية متفق عليها قبليًا. يمنع خلالها الرعي أو الاحتطاب أو أي نشاط قد يؤدي إلى إتلاف الغطاء النباتي. ويعاد فتح الحمى لاحقًا وفق ضوابط واضحة غالبًا في أوقات الجفاف أو الحاجة القصوى وبقرار جماعي من شيوخ القبيلة أو مجلسها العرفي.
هذا النظام لم يكن قرارًا فرديًا، بل التزامًا جماعيًا تراقبه الأعراف القبلية. وتفرض على مخالفه عقوبات معنوية أو مادية مثل الغرامة أو الحرمان المؤقت من موارد القبيلة.
الجذور التاريخية للعادة
تعود جذور الحِمى إلى عصور ما قبل الإسلام، واستمرت بعدها مع تنظيمات أكثر وضوحًا. وتشير مصادر تاريخية إلى أن بعض أشكال الحِمى كانت تدار حتى من قبل الدولة. لكن النسخة القبلية ظلت الأكثر حضورًا في المجتمعات البدوية حيث ندرة المياه وقسوة الطبيعة تفرضان إدارة دقيقة للموارد.
أبعاد اجتماعية وبيئية
لا يقتصر دور الحمى على حماية المراعي فقط، بل يمتد إلى تعزيز روح التضامن داخل القبيلة. فالتزام الجميع بالحمى يعني إدراكًا جماعيًا بأن الموارد محدودة وأن الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة. كما أن هذه العادة ساهمت في تقليل النزاعات بين القبائل المتجاورة إذ كانت حدود الحمى معروفة ومتفقًا عليها مسبقًا.
بيئيًا، يعد الحمى أحد أقدم أشكال الإدارة المستدامة للأراضي، حيث يسمح للنباتات بالتجدد الطبيعي. ويحافظ على التوازن البيئي ويحد من التصحر الذي تعاني منه مناطق واسعة في الشرق الأوسط اليوم.
كيف يدار الحمى قبليًا؟
عادة ما يتولى شيوخ القبيلة أو مجلس الحكماء تحديد موقع الحمى ومدته بناءً على خبرتهم بالمواسم المطرية وحالة المراعي. ويتم الإعلان عن الحمى في تجمع عام، ليكون الجميع على علم بالقرار. وفي بعض القبائل توضع علامات حجرية أو طبيعية لتحديد حدود المنطقة المحمية.
في هذا السياق، يقول الدكتور سامر العلي الباحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والمهتم بدراسات المجتمعات البدوية، أن نظام الحمى القبلي يعد نموذجًا مبكرًا للإدارة البيئية المستدامة. المدهش أن هذه العادة نشأت دون مؤسسات رسمية لكنها اعتمدت على الوعي الجمعي والالتزام الأخلاقي وهو ما نفتقده أحيانًا في القوانين الحديثة.
ويضيف العلي، أن إحياء هذا المفهوم بصيغ معاصرة قد يساعد في مواجهة تحديات التصحر ونقص الموارد.



