قرية الفاو الأثرية.. مدينة منسية تكشف ملامح حضارة عربية مبكرة
أسماء صبحي – في قلب الصحراء جنوب غربي العاصمة السعودية الرياض، وعلى مسافة بعيدة عن المسارات السياحية التقليدية. تقف قرية الفاو الأثرية شاهدًا صامتًا على واحدة من أقدم التجارب الحضارية العربية في شبه الجزيرة العربية. هذا الموقع الأثري، الذي لا يحظى بالشهرة ذاتها لمواقع أخرى، يحمل بين أطلاله قصة مدينة متكاملة ازدهرت قبل الإسلام بقرون ثم اختفت تدريجيًا من ذاكرة التاريخ.
موقع قرية الفاو الأثرية
تقع قرية الفاو عند ملتقى طرق تجارية قديمة كانت تربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها وشرقها..وهو ما منحها أهمية اقتصادية وسياسية كبيرة في ذلك الزمن. وتشير الدراسات الأثرية إلى أن الفاو كانت عاصمة لمملكة كِندة الأولى. وازدهرت بين القرن الرابع قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي لتكون مركزًا تجاريًا ودينيًا مهمًا في المنطقة.
مدينة متكاملة المعالم
تكشف الحفريات الأثرية عن مدينة متكاملة العناصر، تضم أحياء سكنية منظمة، وأسواقًا، ومعابد، ومقابر منحوتة في الصخور. إضافة إلى آبار مياه تدل على نظام متقدم لإدارة الموارد المائية في بيئة صحراوية قاسية. كما عثر على نقوش مكتوبة بخط المسند الجنوبي تؤكد أن الفاو لم تكن مجرد محطة عابرة بل مدينة ذات هوية ثقافية واضحة.
اللافت في تخطيط الفاو هو الفصل النسبي بين المناطق السكنية والتجارية والدينية. وهو ما يعكس وعيًا عمرانيًا متقدمًا قياسًا بالحقبة الزمنية التي تعود إليها.
الحياة اليومية في قرية الفاو
من خلال اللقى الأثرية، مثل الأواني الفخارية، والحُلي، والعملات، يمكن رسم صورة تقريبية للحياة اليومية في الفاو. فقد كان سكانها يعتمدون على التجارة كمصدر رئيسي للرزق إلى جانب الزراعة المحدودة وتربية المواشي. وتشير العملات المكتشفة إلى وجود علاقات تجارية مع حضارات مجاورة مثل ممالك جنوب الجزيرة وبلاد الرافدين.
البعد الديني والرمزي
تضم قرية الفاو بقايا معابد ومذابح حجرية ما يدل على تنوع الممارسات الدينية قبل الإسلام. وتكشف النقوش عن أسماء آلهة كانت تعبد في تلك الفترة إلى جانب طقوس مرتبطة بالحياة والموت، وهو ما يظهر بوضوح في المقابر الملكية المزخرفة.
ويقول الدكتور عبدالله القحطاني، أستاذ الآثار وتاريخ الجزيرة العربية، إن قرية الفاو الأثرية تمثل كنزًا أثريًا حقيقيًا لأنها توثق مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ العرب قبل الإسلام. وتؤكد النقوش والمباني المكتشفة أننا أمام مدينة لعبت دورًا محوريًا في التجارة والسياسة وليس مجرد تجمع سكاني عابر.
ويضيف القحطاني، أن الموقع لا يزال بحاجة إلى مزيد من أعمال التنقيب والدراسة لفهم أعمق لدوره الحضاري.



