رحلة الخنوع والخيانة للملك الناصر يوسف.. ما القصة؟

في أيام عصيبة من تاريخ الأمة، حين غزت جيوش التتار بقيادة هولاكو بلاد الإسلام كالسيل الجارف، كان الناصر يوسف الأيوبي حفيد صلاح الدين الأيوبي يتربع على عرش حلب ودمشق، ويملك جيشًا قويًا وإمكانيات كبيرة لو أراد أن يقف في وجه الغزاة.
رحلة الخنوع والخيانة للملك الناصر يوسف
بدأت الأحداث بحصار التتار لمدينة ميافارقين، حيث صمد الأمير الكامل محمد الأيوبي قريب الناصر يوسف دفاعًا باسلًا عن شعبه، و أرسل الكامل استغاثة حارة إلى ابن عمه في دمشق يتوسل إليه أن يمده بالطعام والسلاح والدواء، فقد أنهك الحصار الطويل أهل المدينة، لكن الناصر يوسف أغلق قلبه ورفض المدد رفضًا باتًا.
ذهب الناصر يوسف أبعد من ذلك، فانحاز إلى جانب التتار من بعيد، وأرسل ابنه العزيز إلى هولاكو حاملًا هدايا فاخرة وتحفًا ثمينة، وطلب منه أن يزوده بفرقة تترية ليهاجم بها مصر ويستولي عليها من يد المماليك ليضمها إلى مملكته.
استاء هولاكو من هذا الطلب الجريء، فهو لم يكن يريد حلفاء متساوين بل أراد السيطرة الكاملة على الشام ومصر معًا، كما أغضبه أن الناصر أرسل ابنه بدلًا من أن يأتي بنفسه كما فعل غيره من الأمراء الخاضعين، فأجابه برسالة قاسية واحتفظ بابن العزيز مع جيشه ليشارك في قتال المسلمين، في خيانة مضاعفة.
شعر الناصر يوسف حينها أن الرياح تتجه نحوه فغيّر جلده فجأة وأعلن الجهاد ضد التتار. نصب معسكرًا شمال دمشق في قرية برزة، ودعا الأمراء للانضمام إليه، راسل المغيث عمر أمير الكرك الذي كان يتأرجح بين القتال والمهادنة حسب المصلحة، بل وراسل حتى سلطان مصر نفسه الذي كان عدوًا له قبل أيام يطلب عونه ضد الغزاة، كان يتقلب في مواقفه كما تتقلب الريح، لا مبدأ يثبته سوى مصلحته الشخصية.
لكن الأخبار السيئة توالت كالصواعق، سقطت ميافارقين وقتل الكامل محمد شهيدًا، ثم سقطت حلب وحارم، وسلمت حماة وحمص دون مقاومة تذكر، وأصبحت دمشق على بعد خطوات من السقوط، ارتعد الناصر يوسف خوفًا، فعقد مجلسًا مع قادة جيشه طال فيه النقاش، وانتهى بقرار واحد: الفرار جميعًا، وتركوا دمشق العظيمة بحصونها المنيعة وشعبها الكبير خالية من أي دفاع، كأنها هدية مقدمة للغزاة.
دخل التتار المدينة دون قتال يُذكر بعد أن استسلمت لهم. أما الناصر يوسف فقد هرب مع فلول جيشه، ثم وقع في أسرهم في النهاية، لكن القدر كان له بالمرصاد، إذ وصلت أنباء معركة عين جالوت العظيمة حيث سحق المماليك بقيادة السلطان قطز جيش كتبغا وكسرت شوكة التتار لأول مرة.
غضب هولاكو غضبًا شديدًا وصبّ جام غضبه على الناصر يوسف وابنه وأخيه. أمر بقتلهم في تبريز، ثم أُرسل رأس الناصر إلى مصر كعبرة.



