تاريخ ومزارات

جوهر الصقلي الغلام الذي بنى القاهرة والأزهر

في أرض صقلية حيث تلتقي أمواج المتوسط بالتاريخ، وُلِد غلام يدعى جوهر حوالي عام 928م 316 هـ تقريبًا، لم يسجّل التاريخ تفاصيل طفولته، وكأن الزمن احتفظ بها سرًا، حتى وجد نفسه في شمال إفريقيا في خدمة الدولة الفاطمية الناشئة.

 

من هو جوهر الصقلي

 

في القيروان لاحظ المعز لدين الله بريق الذكاء في عيني هذا الغلام والفطنة في تصرفاته. أخذه تحت جناحه، ربّاه وعلّمه، صقله في فنون الكتابة والإدارة والحرب حتى صار جوهر واحدًا من أثق الرجال في الدولة. أثبت إخلاصه وكفاءته، فلم يخيّب ظن سيده يومًا.

 

في عام 952م 341 هـ جعله المعز كاتبه الخاص. وبعد سنوات قليلة في 958م 347 هـ أوكل إليه قيادة جيش لتأمين المغرب الأقصى، و سار جوهر بقواته وغز مدنًا واستولى على فاس عام 960م 349 هـ ولم يكتفِ حتى بلغ ساحل المحيط الأطلسي. هناك وقف ينظر إلى الأفق اللامتناهي محققًا انتصارات عسكرية وسياسية ومثبتًا أركان الدولة في تلك الأرجاء.

 

ثم جاءت اللحظة التي غيّرت مجرى التاريخ. قرر المعز أن يمد يده إلى مصر أرض النيل والحضارات القديمة، فاختار جوهر ليقود الحملة. جمع له جيشًا هائلًا يُقال إنه تجاوز المئة ألف مقاتل مع فرسان وسفن دعم، وفي 4 فبراير 969م 14 ربيع الأول 358 هـ ودّع المعز الجيش بنفسه.

 

سار الجيش في انضباط مذهل، مر ببرقة ثم وصل الإسكندرية دون قتال يُذكر، دخل جوهر المدينة وأمر جنوده بالسكينة التامة لا نهب ولا اعتداء ولا إيذاء، وكانت مصر آنذاك غارقة في المجاعة والغلاء والضعف بعد وفاة كافور الإخشيدي وضعف نفوذ العباسيين.

 

مهّد الفاطميون الطريق ووصل وفد من أهل الفسطاط يتقدمه الشريف أبو جعفر مسلم إلى جوهر عند قرية أتروبة في 18 رجب 358 هـ، وكتب جوهر لهم عهد أمان بخط يده حرية العقيدة عدل في الحكم أمان للنفس والمال والدين، رفض بعض فلول الإخشيديين الصلح فدارت معركة خاطفة في الجيزة يوم 16 شعبان انتهت بانتصار سريع.

 

عاد أهل الفسطاط يطلبون الأمان فقبلهم جوهر ودخل المدينة في هدوء تام معلنًا عصرًا جديدًا ما إن اطمأن إلى استقرار الأمور حتى بدأ في بناء عاصمة جديدة شمال شرق الفسطاط، أحاطها بسور من اللبن المتين خصّص جزءًا للقصر الكبير وجزءًا للبساتين والميادين ووزّع الباقي على القبائل والجند، سمّاها أول الأمر المنصورية ثم صارت القاهرة المنتصرة.

 

بدأ في 970م 24 جمادى الأولى 359 هـ بناء الجامع الأزهر ليكون قبلة للعلم والدعوة وما زال حتى اليوم منارة معرفة عالمية.

 

سعى جوهر لتثبيت الدولة فألغى الخطبة للعباسيين غير الشعارات وأدخل تعديلات في الأذان والصلاة تعكس المذهب الفاطمي، في الوقت نفسه عالج الأزمة الاقتصادية بجلب الغلال من المغرب ووضع نظام ضرائب وأعاد الأمن إلى البلاد.

 

امتدت يده بعد ذلك إلى الشام وصد غارات القرامطة في عين شمس عام 361 هـ، ولما اطمأن إلى استقرار مصر دعا المعز للحضور، ووصل المعز إلى القاهرة في رمضان 362 هـ واستقر في القصر الذي أعده له جوهر بعناية فائقة.

 

بعد وصول المعز ابتعد جوهر تدريجيًا عن الأضواء وعاش في هدوء بعيدًا عن المناصب، لكنه كان يُستدعى كلما هدد خطر، خاصة القرامطة، فيعود ليقود الحملات يحقق الانتصارات ثم يعود إلى بيته.

 

ظل على هذا المنوال حتى رحل في 20 ذي القعدة 381 هـ 28 يناير 992م، رجل بدأ غلامًا صقليًا مجهولًا وانتهى قائدًا بنى مدينة لا تزال نابضة بالحياة القاهرة وجامعًا أصبح رمزًا للعلم والتسامح الأزهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى