“الوسم القبلي”.. هوية تحفر على الجمال وتحفظ تاريخ القبائل
أسماء صبحي – في البيئات الصحراوية الممتدة عبر الشرق الأوسط، حيث كانت الجمال تمثل الثروة الأساسية وعمود الحياة الاقتصادية والاجتماعية. نشأت عادة قبلية شديدة الخصوصية تعرف باسم “الوسم القبلي”. وهي عادة قديمة تقوم على وضع علامة مميزة بالنار على الإبل للدلالة على ملكيتها وانتمائها القبلي في تقليد تجاوز كونه إجراءً عمليًا ليصبح رمزًا للهوية والوجود.
الوسم لم يكن مجرد علامة ملكية بل لغة بصرية كاملة تفهمها القبائل دون حاجة إلى كلمات، وتحمل في طياتها تاريخًا من التحالفات والنزاعات والتنقلات عبر الصحراء.
جذور الوسم القبلي
ظهرت عادة الوسم في المجتمعات البدوية نتيجة طبيعية لطبيعة الحياة المتنقلة. حيث تختلط قطعان الإبل في المراعي المفتوحة وتكثر السرقات أو الضياع. وفي ظل غياب أي نظام توثيق مكتوب أصبح الوسم هو الوثيقة الوحيدة المعترف بها عرفيًا لإثبات الملكية.
كل قبيلة اختارت وسمًا خاصًا بها يتكون غالبًا من رمز هندسي بسيط مثل خط مستقيم، أو قوس، أو شكل يشبه الحرف. ويتم وضعه في موضع محدد من جسد الجمل كالفخذ أو الرقبة أو الكتف. وكان تغيير موضع الوسم أو شكله يعد تعديًا صريحًا على أعراف القبيلة.
الوسم كهوية قبلية
مع مرور الوقت، تجاوز الوسم وظيفته الاقتصادية، ليصبح رمزًا للانتماء القبلي. فمجرد رؤية الوسم كانت كافية لمعرفة أصل الجمل، وقبيلته، بل وأحيانًا مكانه الجغرافي. إذ تشابهت بعض الوسوم داخل الإقليم الواحد واختلفت عن وسوم الأقاليم الأخرى.
وكان المساس بالوسم سواء بمحوه أو تزويره يعد جريمة عرفية كبرى قد تؤدي إلى نزاع قبلي أو مطالبة بالدية. لأن الوسم لا يمثل ملكية فردية فقط بل كرامة جماعية.
طقوس تنفيذ الوسم
عادةً ما ينفذ الوسم في موسم محدد من السنة، وغالبًا بعد الفطام أو عند بلوغ الجمل عمرًا معينًا. ويتولى هذه المهمة شخص ذو خبرة داخل القبيلة لضمان عدم إلحاق ضرر بالغ بالحيوان. إذ كانت المهارة في الوسم تعد علامة على الحكمة والخبرة.
ورغم قسوة الفكرة ظاهريًا، فإن القبائل التزمت بمواضع معينة تقل فيها حساسية الجمل. وكان الهدف هو ترك علامة واضحة دون إيذاء دائم.
تحولات العادة في العصر الحديث
مع تطور وسائل التتبع الحديثة، مثل الشرائح الإلكترونية والسجلات الرسمية تراجع استخدام الوسم بوصفه وسيلة أساسية لإثبات الملكية. إلا أن العادة لم تختفي تمامًا، بل تحولت في بعض المناطق إلى رمز تراثي يستخدم في المهرجانات والمناسبات الثقافية.
كما حافظت بعض القبائل على الوسم كجزء من هويتها حتى وإن لم يعد له دور عملي باعتباره رابطًا حيًا مع تاريخ الأجداد ونمط الحياة البدوي.
في هذا الإطار، يقول الدكتور فهد بن محمد العتيبي، الباحث في التراث الشعبي والأنثروبولوجيا البدوية، إن الوسم القبلي هو أحد أقدم أشكال التوثيق الاجتماعي في المجتمعات العربية. وقد لعب دورًا بالغ الأهمية في تنظيم الملكية ومنع النزاعات وهو يمثل ذاكرة بصرية للقبيلة لا تقل قيمة عن الشعر أو النسب.



