عادة المرباع.. العرف القبلي الذي نظم الغنائم وحمى تماسك القبيلة
أسماء صبحي – في عمق البنية الاجتماعية للقبائل العربية في الشرق الأوسط. نشأت منظومة دقيقة من الأعراف والتقاليد التي هدفت إلى ضبط العلاقات الداخلية ومنع النزاعات. ومن بين هذه العادات تبرز عادة المرباع، وهي واحدة من أقل العادات القبلية تداولًا إعلاميًا رغم دورها المحوري في التاريخ القبلي. خاصةً في بادية الجزيرة العربية وامتداداتها في العراق والأردن وشمال الجزيرة.
عادة المرباع
المرباع هو حق عرفي يمنح لشيخ القبيلة يتمثل في الحصول على ربع الغنائم أو الموارد التي تحققها القبيلة. سواء كانت ناتجة عن الحروب قديمًا أو من الصيد أو الإتاوات في فترات لاحقة. ولم يكن هذا الحق مجرد امتياز شخصي، بل كان ينظر إليه كجزء من العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الشيخ وأفراد قبيلته.
جذور العادة
ترجع جذور المرباع إلى العصور الجاهلية، حين كانت القبيلة تعتمد على الغزو كمصدر أساسي للعيش في البيئات الصحراوية القاسية. ومع غياب الدولة المركزية، كان شيخ القبيلة يتحمل مسؤوليات جسيمة، تبدأ بقيادة المقاتلين ولا تنتهي عند حماية النساء والأطفال والتفاوض مع القبائل الأخرى.
في هذا السياق، جاء المرباع كنوع من التعويض المعنوي والمادي عن هذه المسؤوليات. حيث يحصل الشيخ على الربع مقابل قيامه بدوره القيادي وتخصيص جزء من هذا المورد لإدارة شؤون القبيلة. مثل فك الأسرى، دفع الديات، وإغاثة المحتاجين داخل الجماعة.
المرباع بين السلطة والرضا القبلي
على عكس ما قد يفهم ظاهريًا، لم يكن المرباع مفروضًا بالقوة بل كان مرهونًا برضا أفراد القبيلة. فالشيخ الذي يسيء استخدام هذا الحق أو يحتكر الموارد لنفسه كان معرضًا للعزل أو فقدان النفوذ. إذ إن المكانة القبلية تبنى على الحكمة والعدل أكثر من الوراثة.
ويشير مؤرخون إلى أن بعض القبائل كانت تسقط حق المرباع عن شيخها في أوقات القحط أو الأزمات. وهو ما يعكس مرونة هذا العرف وقدرته على التكيف مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
تحولات العادة مع قيام الدولة الحديثة
مع بروز الدولة الحديثة وتراجع الغزو كممارسة اجتماعية، فقد المرباع شكله التقليدي لكنه لم يختفي تمامًا. ففي بعض البيئات القبلية تحول إلى مخصص رمزي أو دعم طوعي يقدم للشيخ أو كبير العائلة بهدف تمكينه من أداء أدواره الاجتماعية، مثل حل النزاعات، وتمثيل القبيلة أمام الجهات الرسمية.
كما أعادت بعض القبائل تفسير المرباع بوصفه مسؤولية أخلاقية. حيث يطالب الشيخ اليوم بتوجيه أي موارد تصله إلى العمل الاجتماعي، أو دعم الفقراء، أو تمويل المبادرات الجماعية.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور عبدالعزيز بن راشد الحربي، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة الملك سعود، إن عادة المرباع لا يمكن فهمها خارج سياقها التاريخي. فالمرباع لم يكن أداة استغلال كما يعتقد أحيانًا، بل كان نظامًا قبليًا متكاملًا لإدارة الموارد والسلطة. وقد أسهم في حفظ التوازن داخل المجتمعات البدوية خاصة في غياب مؤسسات الدولة.



