قبائل و عائلات

“سفرة الأمل”.. كيف حولت عائلة لاجئة واقع المخيم إلى فرصة اقتصادية واجتماعية

أسماء صبحي – في أحد أزقة مخيم برج البراجنة في العاصمة اللبنانية بيروت، حيث تتراكم الأيام الصعبة وتتعاظم التحديات اليومية. خرجت قصة عائلية بسيطة لتصبح رمزًا للإصرار والطموح في مواجهة الظروف القاسية. وهنا تبدأ رحلة عائلة الشعار الفلسطينية وعلى رأسها مريم الشعار التي حولت حلمها في الانتصار على الفقر والقيود إلى مشروع اجتماعي واقتصادي مزدهر حمل اسم “سفرة الأمل”، وامتد أثره إلى خارج حدود المخيم ليُلهم مجتمعات بأكملها.

برج البراجنة ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو واحد من أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وقد ظل منذ تأسيسه في أواخر الخمسينات يعكس واقع الجماعات المهجرة التي تبحث عن كرامتها وهويتها وسط قيود القانون وقسوة الحياة اليومية. وفي قلب هذا السياق، لم تكن الحياة سهلة؛ فرص العمل شبه معدومة، البنية التحتية ضعيفة، والتعليم محدود، فضلًا عن القيود التي تحول دون تمكين اللاجئين اقتصاديًا واجتماعيًا.

بداية “سفرة الأمل”

نشأت فكرة “سفرة” عندما لاحظت مريم التي عاشت منذ ولادتها في المخيم أن كثيرًا من النساء يمتلكن مهارات في الطبخ التقليدي لكن يفتقرن إلى الفرص الحقيقية للعمل وتحقيق دخل مستقل. وقررت مريم تحويل هذه المهارة إلى مشروع يمكن أن يوفر فرص عمل لهن داخل المجتمع نفسه ويكون منصة لعرض التراث الفلسطيني الغني في الأطعمة التقليدية.

وتعني كلمة “سفرة” في العربية “مائدة الطعام الممتدة” وهو اسم اختارته مريم ليجسد الكرم والاتحاد والتشارك في الغداء والمائدة. مما يجعلها أكثر من مجرد مشروع تجاري؛ إنها منصة اجتماعية للتواصل والمشاركة.

من مطبخ إلى طاولة المجتمع

بدأ المشروع كخدمة تقديم طعام تقليدي في المناسبات الصغيرة داخل المخيم. يستفيد من خبرة النساء المشاركات في إعداد أطباق فلسطينية متنوعة مثل محاشي، كبة، مقلوبة، وحلويات تقليدية. وتميزت الأطباق بالجودة والنكهة العميقة المرتبطة بالهوية والتراث الثقافي. وهو ما جذب الانتباه في البداية داخل المجتمع نفسه، ثم خارج المخيم بعد ذلك.

مع مرور الوقت، وتزايد الإقبال على الأطعمة التي تقدمها “سفرة”. اتجهت مريم وفريقها إلى تنظيم مشروع تقديم الطعام عبر “عربة متنقلة” يمكنها الوصول إلى الجمهور في أماكن مختلفة في بيروت والمناطق المحيطة. ويعتبر هذا التحول نقطة تحول كبيرة في مسيرة المشروع، إذ فتح له الأبواب للوصول إلى شرائح جديدة من المستهلكين وتقديم الطعام الفلسطيني التقليدي بطريقة عصرية وقابلة للتسويق.

تحديات ومسارات النجاح

لم يخلو الطريق من العقبات؛ فمن منظور قانوني، واجهت المراهقات والنساء في المخيم صعوبات في الحصول على التراخيص والاعتراف الرسمي. كما كان هناك نوع من التردد المجتمعي تجاه فكرة خروج المرأة للعمل الحر في بيئة لا توفر دعمًا كافيًا. لكن بدلاً من أن تكون هذه العقبات نقطة نهاية، حولتها مريم وفريقها إلى فرص للتعاون مع منظمات محلية ودولية تعمل على دعم المبادرات الاجتماعية وتمكين النساء.

وقد لعب دعم المؤسسات غير الحكومية دورًا مهمًا في توسيع نطاق عمليات “سفرة” عبر تقديم التدريب على التسويق، والإدارة المالية، وخدمات السلامة الغذائية، فضلًا عن ربط المشروع بمهرجانات وأحداث محلية في لبنان. وهكذا أصبح المشروع ليس فقط مصدر رزق للعائلات داخل المخيم، بل نموذجًا يُحتذى به للتمكين الاقتصادي ورفع الوعي الثقافي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى