حكاية مذبحة معرة النعمان.. يوم أكل الصليبيون لحوم المدنيين

شهدت مدينة معرة النعمان السورية، في يوم 12 ديسمبر من عام 1098م، واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ الحروب الصليبية، عقب حصار طويل انتهى باقتحام المدينة وارتكاب مجزرة يصنفها المؤرخون ضمن أبشع الجرائم التي شهدتها تلك الحقبة.
مذبحة معرة النعمان
وتظل مذبحة معرة النعمان من أكثر محطات الحروب الصليبية قتامة، ليس فقط لهول ما جرى فيها، بل لأن المصادر الأوروبية نفسها وثقت تفاصيلها دون محاولة إنكار أو تبرير، مؤكدة حجم الفاجعة التي وقعت.
وتكشف شهادات معاصرة للحدث، بعضها ورد على ألسنة كتاب ومؤرخين أوروبيين، عن وقائع صادمة بلغت حد أكل لحوم البشر، في مشهد يجسد القسوة المفرطة التي طبعت الحملة الصليبية الأولى.
حصار طويل ووعود خادعة
كما بدأت فصول المأساة عندما وصلت جيوش الصليبيين إلى معرة النعمان بعد معركة أنطاكية، حيث فرض حصار خانق على المدينة استمر أسابيع، عانى خلالها السكان من الجوع ونفاد المؤن وتفاقم الأوضاع الإنسانية.
ومع تدهور الأحوال، حاول وجهاء المدينة التفاوض مع القائد الصليبي بيمند، الذي تعهد بمنح الأمان مقابل الاستسلام، غير أن هذا التعهد لم يكن سوى تمهيد لواحدة من أبشع المجازر في تاريخ المنطقة.
ثلاثة أيام من القتل والتنكيل
مع فجر 12 ديسمبر 1098، اقتحم الصليبيون المدينة وشرعوا في عمليات قتل ونهب استمرت ثلاثة أيام متواصلة، وتفاوتت تقديرات أعداد الضحايا بين نحو 20 ألف قتيل وفق بعض المصادر الغربية، وأكثر من 100 ألف بحسب روايات عربية قديمة، وسط إجماع على ضخامة المأساة ووحشية ما ارتُكب.
شهادات أوروبية عن أكل لحوم البشر
والجدير بالإشارة أن الجانب الأكثر صدمة في أحداث معرّة النعمان لم يقتصر على الروايات العربية، بل أكدته مصادر أوروبية صريحة. فقد نشرت صحيفة “لي بوين” الفرنسية تقريرًا بعنوان: 12 ديسمبر 1098.. يوم التهم الصليبيون لحوم سكان معرة النعمان، نقلت فيه شهادات مباشرة تفيد بأن بعض جنود الحملة لجؤوا إلى غلي جثث المسلمين وشواء لحوم الأطفال، نتيجة المجاعة التي ضربت الجيوش الصليبية.
كما نقل المؤرخ راو دو كين قوله: “كان جماعتنا في المعرة يغلون المسلمين في القدور ويشكون الأولاد في الأسياخ ليأكلوهم مشويين”.
وتؤكد رسالة صليبية وجهت إلى البابا آنذاك حجم الكارثة، إذ جاء فيها: “اجتاحت الجيش مجاعة فظيعة في المعرة وألجأتهم إلى ضرورة جائرة هي التقوت بجثث المسلمين”.
ما قاله المؤرخون العرب
وفي السياق ذاته، تتطابق المصادر العربية مع هذه الشهادات في توصيف هول الجريمة، حيث ذكر ابن الأثير أن الصليبيين “وضعوا السيف في أهلها ثلاثة أيام، وسبوا النساء والأطفال”.
كما أورد أمين معلوف في كتابه الحروب الصليبية كما رآها العرب تفاصيل الحصار وليلة الرعب التي سبقت اقتحام المدينة، مشيرًا إلى أن سكانها كانوا يستشعرون الكارثة بعد متابعتهم لما جرى في أنطاكية.
لم ينجو من معرة النعمان سوى القليل، واستمرت أعمال القتل والحرق حتى 13 يناير 1099، حين جابت مجموعات من الصليبيين أزقة المدينة حاملين المشاعل لإحراق البيوت، مخلفين وراءهم مدينة مدمرة وجثثًا ملأت الشوارع، في جرح تاريخي لم يندمل حتى اليوم.



