تاريخ ومزارات

اختراع من أجل الفقراء تحول لمنتج عالمي.. القصة العجيبة لتاريخ السمن الصناعي

أميرة جادو

قد تمتلك علبة من السمن الصناعي في ثلاجتك اليوم، لكن هل تساءلت يومًا كيف تحول هذا المنتج إلى عنصر أساسي في مطابخنا؟ تعود قصة السمن الصناعي إلى عام 1813 في مختبر كيميائي بفرنسا، عندما اكتشف العالم ميشيل أوجين شيفرويل حمضًا دهنيًا جديدًا أسماه حمض المارجريك، بسبب الترسبات اللامعة التي تشبه اللؤلؤ، ومن هنا جاءت التسمية من الكلمة اليونانية “مارغاريتس” التي تعني “اللؤلؤي”، كما يوضح موقع «todayifoundout».

نابليون الثالث وجائزة الفقراء

بعد عقود، قرر الإمبراطور نابليون الثالث إطلاق تحدي علمي لإيجاد بديل رخيص للزبدة يناسب فقراء شعبه وجنوده، وكان الفائز بالجائزة الكيميائي هيبوليت ميج-مورييه، الذي ابتكر مادة سماها أوليومارجرين، ثم اختصر الاسم إلى مارجرين.

وفي عام 1869، سجل مورييه براءة اختراع طريقته لتصنيع السمن الصناعي، والتي نالت إعجاب الإمبراطور وفازت بالجائزة الموعودة.

مكونات غريبة ومذاق يشبه الزبدة

والجدير بالإشارة أن  السمن الذي ابتكره مورييه كان مزيجًا من شحم البقر، الملح، كبريتات الصوديوم، عصارات معدة الخنازير، وقليل من القشدة. كانت النتيجة مادة هلامية تشبه الزبدة في الطعم، لكنها لم تلقي رواجًا كبيرًا.

فاضطر المخترع إلى بيع براءة اختراعه لشركة هولندية تدعى “يورجنز” عام 1871، والتي أصبحت لاحقًا نواة شركة يونيليفر العملاقة.

انتشار عالمي وحرب مع الزبدة

كما طورت الشركة الهولندية وصفة السمن الصناعي وأطلقت مصانع في أنحاء أوروبا، وأضافت صبغة صفراء لتشبه الزبدة في الشكل، ومن المفارقات أن بعض مصنعي الزبدة بدأوا لاحقًا بصبغها أيضًا كي تظهر بلون أكثر اصفرارًا.

لكن النجاح أثار ما عرف بـ”حرب الزبدة والسمن الصناعي”، بعدما شن لوبيات الألبان الأمريكية حملة شرسة ضده، أدت إلى صدور قانون المارجرين عام 1886 الذي فرض ضرائب باهظة على بيعه، فيما حظرته كندا تمامًا حتى عام 1948.

تلوين ممنوع وحملات تشويه

في بعض الولايات الأمريكية، أصبح تلوين السمن الصناعي بالأصفر أمرًا غير قانوني، وأجبر المصنعون على بيعه بلون وردي لتقليل جاذبيته.

كما انتشرت إعلانات مضللة تصوره كمنتج سام، أبرزها إعلان عام 1911 في شيكاغو تريبيون، أظهر فيه مشاهد مروعة لطرق تصنيعه المزعومة.

التحول إلى الزيوت النباتية

مع بداية القرن العشرين، تغير تركيب المارجرين بسبب نقص شحم البقر وظهور تقنيات هدرجة الزيوت النباتية، ما جعل الزيوت النباتية بديلاً أرخص وأكثر توفرًا.

وخلال الحربين العالميتين، أدّى نقص الزبدة والدهون الحيوانية إلى زيادة الإقبال على السمن الصناعي حتى أصبح هو الخيار السائد.

السمن الصناعي يكتسب الشعبية

بعد الحرب العالمية الثانية، ارتفع الطلب على المارجرين بشكل كبير، ما أدى إلى إلغاء الضرائب المفروضة عليه عام 1950، لكن قوانين حظر التلوين ظلت قائمة لبعض الوقت، فبدأت الشركات بتضمين أكياس صغيرة من الصبغة داخل العبوات ليقوم المستهلك بخلطها يدويًا قبل الاستخدام، وهي مهمة كانت تسعد بها الأطفال في المنازل.

وفي منتصف الخمسينات، ألغيت قيود الألوان تمامًا، ليعود السمن الصناعي بلونه الأصفر الطبيعي إلى الأسواق.

تحسينات صحية وتطور في المذاق

منذ ذلك الحين، عملت الشركات على تحسين جودة السمن الصناعي عبر التقليل من الدهون المتحولة واستخدام دهون نباتية أكثر فائدة.

كما أجريت تعديلات دقيقة في الطعم والقوام ليشبه الزبدة إلى حد كبير، ورغم أن المارجرين الحديث يختلف جذريًا عن نسخته الأصلية، فإنه لا يزال يحمل الاسم ذاته الذي ابتكره مورييه.

على الرغم من نيله جائزة نابليون الثالث، لم يجن هيبوليت ميج-مورييه ثروة من اختراعه الثوري، بل انتهت حياته فقيرًا عام 1880، تاركًا للعالم منتجًا ما زال حاضرًا في كل بيت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى