القهوة الأردنية قصة مشروب يجمع الفرح والحزن ويعكس كرم البادية ونكهة التراث عبر الزمان
تنوعت طقوس الشعوب في تناول القهوة، واحتفظ الأردنيون بعلاقة استثنائية معها، فالقهوة عندهم لا تقدم لمجرد الضيافة بل ترافق الفرح وتواسي الحزن وتعبر عن أصالة المشاعر، وتبدأ طقوسها من اليمين وتحاط بتقاليد راسخة تضيف إليها قيمة لا تُقدّر بثمن.
قصة القهوة الأردنية
يحتفل العالم بيوم القهوة العالمي في الأول من أكتوبر / تشرين الأول من كل عام، وسبق وأن قامت وكالة الأنباء الأردنية بإجراء استطلاع استعرضت فيه آراء عدد من المختصين في التراث والتاريخ وعلم الاجتماع، إضافة إلى بيانات إحصائية تكشف حجم استهلاك القهوة محلياً، حيث أظهر الجميع ارتباط القهوة الوثيق بمناسبات المجتمع الأردني من أفراح وأتراح.
أكدت المنظمة الدولية للقهوة أن هذا اليوم يمثل احتفالاً بالتنوع في إنتاج القهوة وتجارتها وتقديمها، ويشكل فرصة لدعم الملايين من المزارعين المشاركين في هذا القطاع حول العالم، وخلال الشهور الثمانية الأولى من العام الحالي، استوردت المملكة نحو خمسة وعشرين ألف طن من القهوة، بقيمة قاربت خمسة وثمانين مليون دينار، مقارنة بثلاثة وعشرين ألف طن تقريباً وبقيمة بلغت نحو سبعة وسبعين مليون دينار خلال نفس الفترة من العام الماضي، بحسب بيانات دائرة الجمارك الأردنية.
وتصدرت الهند قائمة الدول التي استوردت منها المملكة القهوة خلال العامين الماضيين، تلتها البرازيل ثم إثيوبيا، ما يعكس تنوع مصادر البن المستخدم محلياً.
سر تسمية القهوة السادة بهذا الاسم
وفي هذا الصدد قال أحمد شريف الزعبي الباحث في التراث الأردني، أن نبات القهوة ينمو في المرتفعات التي يزيد ارتفاعها على ألفي متر، وأشار إلى أن القهوة السادة حملت هذه التسمية لأنها كانت مشروب علية القوم، ومع دخول الأتراك على خط المذاق أضيف السكر، لتُعرف بالقهوة الحلوة، وفي ما يتعلق بتحضير القهوة، تحدث الزعبي عن استخدام المحماسة التي توضع على النار لتحميص الحبوب، مع الحرص على تحريكها جيداً بيد حديدية حتى لا تحترق، لأن ذلك قد يُفسد نكهتها ويغير طعمها.
كما أشار إلى تقاليد فناجين القهوة، حيث يُقدم الفنجان الأول ويدعى الهيف، يشربه المعزب ليطمئن الضيوف على خلو القهوة من أي عيب، ثم يأتي فنجان الضيف وهو واجب الضيافة، يليه فنجان الكيف الذي يشربه الضيف بإرادته، أما الرابع فهو فنجان السيف، ويمثل ميثاقاً شرفياً غير مكتوب بين الضيف والمعزب للدفاع عن بعضهما عند الحاجة.
من جانبه، أكد حسين الخزاعي اختصاصي علم الاجتماع، أن القهوة تشكل رمزاً من رموز الكرم العربي، وتمثل جزءاً أساسياً من الحياة الاجتماعية في البادية، فهي لا تنطق بالكلام فقط بل تُعبّر عن الفرح والحزن وتعزز الروابط المجتمعية، وترافق مختلف المناسبات بما فيها طلب العروس وحل الخلافات.
وأوضح أن فنجاناً واحداً من القهوة في بعض الأحيان كان كفيلاً بفتح مواضيع مغلقة أو تهدئة نزاعات طويلة، ما يبرز مكانتها في الوجدان الشعبي وعمق دلالاتها الرمزية.
فوائد القهوة
وفي سياق متصل شددت هديل غزاوي أستاذة التغذية بكلية الزراعة في الجامعة الأردنية، على أن القهوة تُعد من أكثر المشروبات شعبية حول العالم، وتحضر بعدة طرق من خلال تحميص البن وتحضيره بوسائل مختلفة، مشيرة إلى أنها تمنح الجسم فوائد عديدة بسبب احتوائها على مادة الكافيين المنبهة التي ترفع من نشاط الدماغ وتحفز الذاكرة.
كما أوضحت أن القهوة تعمل على زيادة إفراز هرمون الإبينفرين الذي يسهم في تكسير الدهون، ويعزز معدل الأيض، مما يساعد في التخلص من الوزن الزائد، إضافة إلى دورها في تقليل خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، وبعض الأمراض المزمنة مثل الزهايمر، وباركنسون، والاكتئاب، وأنواع معينة من السرطان، وحتى السكتات الدماغية.
وبيّنت أن القهوة السادة غير المحلاة تحتوي على مضادات أكسدة مفيدة، لكنها حذرت من الإفراط في استخدام السكر عند إعدادها، لما لذلك من أثر سلبي على القيمة الغذائية وزيادة السعرات الحرارية التي قد تسبب مشكلات صحية على المدى الطويل.
وأشارت إلى أن الحد الأقصى الموصى به يومياً من الكافيين يتراوح بين ثلاثمئة وأربعمئة ملغم، بينما يحتوي كوب القهوة الواحد على ما يقارب ثمانين إلى مئة ملغم، وهذا يعني أن الكمية الآمنة لا تتجاوز أربعة أكواب يومياً.
تجدر الإشارة إلى أن المنظمة الدولية للقهوة تواصل جهودها منذ تأسيسها عام 1963 في لندن، لدعم البلدان المنتجة والمستوردة على حد سواء، بهدف تحقيق استدامة حقيقية في هذا القطاع الحيوي الذي لا تكتمل صباحات العالم بدونه.



