الفارابي المعلم الثاني الذي أضاء دروب الفلسفة والفكر الإنساني

في مدينة فاراب البعيدة عام 872م أبصر النور أبو نصر محمد الفارابي الذي عرفه التاريخ لاحقًا باسم المعلم الثاني بعد الفيلسوف أرسطو، وكان طفلا عاشقا للعلم يلتهم المعارف بشغف كبير ويتنقل بين الرياضيات والآداب واللغات مثل التركية والعربية والفارسية واليونانية، لم ترو عطشه حدود مدينته الصغيرة فقرر أن يبدأ رحلة طويلة يحمل فيها شغفه كزاد لا ينفد ويبحث عن الحكمة في كل مكان يصل إليه.
من هو الفارابي
انتقل الفارابي إلى حران في العراق حيث غاص في دراسة الطب والفلسفة والمنطق ثم رحل إلى بغداد عاصمة العلم آنذاك ليزداد معرفة في علوم الموسيقى والمنطق كان رغم تجاوزه الخمسين يتمتع بروح شاب متقد يستقبل كل فكرة جديدة بعقل متأمل وقلب مفعم بالحماسة لم ينشغل بجمع المال أو طلب الجاه بل جعل الحقيقة هدفه الأسمى ليهتدي بها الإنسان في مسيرته.
في دمشق التقى الفارابي بالأمير سيف الدولة الحمداني الذي أحب العلم والفن وجد سيف الدولة في الفارابي عقلا نادرا فقرر أن يقدمه بالرعاية والدعم عرض عليه المال والجاه لكن الفارابي اكتفى بأربعة دراهم يوميا تكفيه للطعام والضروريات، معتبرا أن الثروة الحقيقية تكمن في الفكر والمعرفة، كما كان يقضي وقته بين البساتين وضفاف الأنهار متأملا ومفكرا بينما يتبعه تلاميذه ليقتبسوا من حكمته ويشاركوه تلك اللحظات الهادئة.
انتشرت رواية عن الفارابي أنه قبل لقائه بسيف الدولة عمل حارسا لبستان في دمشق، كما كان في الليل يجلس قرب قنديل بسيط يقرأ ويكتب غير آبه بالبرد أو التعب حتى بلغ خبره الأمير الذي استدعاه وأكرمه إدراكا لقيمته الفكرية ومكانته العلمية.
كان الفارابي يتوجه في الليل إلى الله بدعاء يعكس صفاء روحه فيقول اللهم البسني حلل البهاء وكرامات الأنبياء وسعادة الأغنياء وعلوم الحكماء وخشوع الأتقياء وأنقذني من عالم الشقاء والفناء واجعلني من إخوان الصفاء وأصحاب الوفاء وسكان السماء، هذا الدعاء جسد روحه التي جمعت بين زهد الأتقياء وطموح الحكماء.
ترك الفارابي بصمته الخالدة في مؤلفه آراء أهل المدينة الفاضلة حيث وضع تصورًا لمجتمع مثالي يقوده الحكيم مستلهما فلسفة أفلاطون وأرسطو لكنه صاغها بلغة الفكر الإسلامي، ولعب دورا مهما في نقل علوم اليونان إلى العالم الإسلامي وربط بين الفلسفة والدين فصار إرثه الفكري مصدرا لإلهام فلاسفة مثل ابن سينا وابن رشد وامتد أثره إلى أوروبا في العصور الوسطى.
ظل الفارابي حتى رحيله في دمشق عام 950م رمزا للعقل المتقد والروح الزاهدة وترك وراءه إرثا فكريا ما زال يضيء عقول الباحثين والحالمين في مختلف أنحاء العالم كأحد أعمدة الحضارة الإسلامية والفكر الإنساني الخالد.



