تاريخ ومزارات

الدير الأبيض في سوهاج: معلم قبطي شامخ في قلب التاريخ المصري

أسماء صبحي – تعد محافظة سوهاج من أغنى محافظات مصر بالمواقع الأثرية التي تجسد عمق الحضارة المصرية في عصورها المختلفة. ومن بين هذه المواقع البارزة يبرز الدير الأبيض كأحد أهم المعالم المسيحية في مصر، والذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي. ويعكس عبقرية المعمار القبطي وروحانية العصور الأولى للمسيحية في البلاد.

موقع الدير الأبيض

يقع الدير أو كما يعرف باسم دير الأنبا شنودة رئيس المتوحدين، في منطقة جبلية غرب مدينة سوهاج. وهو دير عريق أسسه القديس الأنبا شنودة في القرن الخامس الميلادي. وقد كان حينها مركزًا دينيًا وثقافيًا مؤثرًا في العالم المسيحي، حيث احتضن آلاف الرهبان والدارسين من مختلف أنحاء مصر وخارجها.

ويتميز الدير بهيكله المعماري الفريد إذ بني من كتل ضخمة من الحجر الجيري الأبيض. وهو ما أعطاه اسمه الشائع “الدير الأبيض” على عكس جاره “الدير الأحمر” الذي بني بالطوب الأحمر. كما يتكون الدير من كنيسة كبيرة على الطراز البازيليكي وثلاثة هياكل (للكنيسة القبطية). بالإضافة إلى بقايا مساكن رهبانية، ومكتبة كانت تحوي أهم المخطوطات اللاهوتية والتاريخية في زمانها.

ويقول الدكتور ماجد كامل، الباحث في التاريخ القبطي، إن الدير الأبيض يمثل علامة بارزة في تاريخ الرهبنة في مصر. وكان تحت قيادة الأنبا شنودة أحد أعظم الشخصيات الرهبانية في التاريخ المسيحي. والذي عرف بكتاباته المؤثرة وقيادته الحكيمة. كما لعب الدير دورًا دينيًا وثقافيًا يشبه دور الجامعات اليوم حيث كان مركزًا للتعليم والنقاشات اللاهوتية وترجمة النصوص.

مراحل ترميم الدير

رغم مرور قرون على إنشائه لا يزال الدير قائمًا. وقد خضع لعدة مراحل من الترميم على يد المجلس الأعلى للآثار وهيئات دولية متخصصة، حفاظًا على القيمة التاريخية والمعمارية للمكان. كما يستقبل الدير آلاف الزوار سنويًا، من المهتمين بالتاريخ والباحثين في التراث الديني والسياح الأجانب.

ويمثل الدير اليوم نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، حيث تستمر الرهبنة بداخله. ويقام فيه قداس أسبوعي واحتفالات دينية بمناسبة عيد الأنبا شنودة في يوليو من كل عام. ما يضفي على المكان بعدًا روحانيًا حيًّا إلى جانب طابعه الأثري.

ويمكن اعتبار الدير نموذجًا مصريًا أصيلاً للتسامح الديني والتنوع الثقافي. كما يشكل عنصر جذب سياحي مهم لمحافظة سوهاج التي تسعى إلى إبراز كنوزها الأثرية في إطار جهود تنشيط السياحة الدينية والثقافية في صعيد مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى