عادات و تقاليد

الفتة البدوية.. مذاق الصحراء الذي يوحد العائلة على مائدة واحدة

أسماء صبحي – في قلب الصحراء، حيث يلتقي دفء النار برائحة الخبز الطازج. تتشكل واحدة من أقدم وأشهى وصفات المطبخ البدوي وهي الفتة البدوية. وهذا الطبق الشعبي ليس مجرد مزيج من الخبز واللحم والمرق، بل هو حكاية تراثية تحمل في طياتها قيم الكرم والضيافة التي اشتهرت بها القبائل العربية عبر العصور.

أصول الفتة البدوية

الفتة هي وجبة ضاربة في القدم، نشأت في البيئات البدوية التي تعتمد على الموارد المتاحة في الصحراء. واعتمد البدو على الخبز المصنوع من دقيق القمح أو الشعير، ولحم الأغنام أو الماعز، إلى جانب المرق الغني بالبهارات الطبيعية.

وكانت الفتة تحضّر غالبًا في المناسبات الكبيرة، مثل الأعراس، أو استقبال الضيوف، أو الأعياد، لما تتطلبه من لحم وفير وكميات كبيرة من الخبز.

في القبائل البدوية، لا تقدم الفتة في أطباق فردية، بل ترص المكونات في أواني كبيرة ليجتمع حولها الرجال والنساء والأطفال. وتعكس هذه الطريقة في الأكل الجماعي روح التضامن والتقارب بين أبناء العائلة والقبيلة. حيث يأكل الجميع من نفس الوعاء، في صورة حية للمشاركة والمساواة.

مواسم ومناسبات خاصة

تحضر الفتة في المناسبات السعيدة مثل الأعراس وعيد الأضحى، وأحيانًا في استقبال الضيوف الكبار. إذ يعتبر تقديمها علامة على الاحترام والتقدير. في عيد الأضحى تحديدًا، تصبح الفتة جزءًا لا يتجزأ من المائدة. حيث تطهى من لحم الأضاحي الطازج وتُقدم في أجواء احتفالية مميزة.

قيمة الفتة البدوية

الفتة وجبة غنية بالقيم الغذائية، فهي تحتوي على البروتين من اللحم. والكربوهيدرات من الخبز، والمعادن من البهارات والأعشاب. كما أن طريقة الطهي التقليدية التي تعتمد على السلق بدلاً من القلي تجعلها أقل دهنية من كثير من الأطباق الحديثة. ومع ذلك، ينصح خبراء التغذية بتناولها باعتدال نظرًا لاحتوائها على كميات عالية من السعرات الحرارية.

ويقول الشيف سالم أبو راشد، وهو طاهي متخصص في المأكولات البدوية وعضو في جمعية الطهاة العرب، إن الفتة البدوية ليست مجرد أكلة، بل هي وثيقة حية تحكي تاريخ البدو مع الطعام. فهي وجبة اخترعت لتكون مشبعة وتلائم حياة الصحراء، حيث يحتاج الإنسان لطاقة عالية لمواجهة الظروف المناخية القاسية. مما يميز الفتة البدوية أنها تجمع العائلة حول مائدة واحدة، وهذا في حد ذاته جزء من التراث.

ويضيف أبو راشد، أن تنوع طرق تقديم الفتة بين منطقة وأخرى يعكس غنى المطبخ البدوي وقدرته على التطوير مع الحفاظ على الأصول.

انتشارها خارج البيئة البدوية

مع حركة الهجرة الداخلية والسفر، خرجت الفتة من الصحراء لتصل إلى المدن الكبرى. وأصبحت تقدم في المطاعم الشعبية وحتى في الفنادق الفاخرة التي تقدم المأكولات التراثية للسائحين. كما ظهرت نسخ مطورة منها بإضافة الخضروات أو الصلصات. إلا أن البدو الأصليين يفضلون النسخة التقليدية التي تعتمد على الخبز واللحم فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى