عادات و تقاليد

عادة الجيرة عند البدو.. حصن الأمان وميثاق الشرف في حياة القبائل

أسماء صبحي – في المجتمعات البدوية، لم تكن القوانين المكتوبة هي ما ينظم العلاقات بين الناس. بل كانت الأعراف والتقاليد هي المرجع الأساسي في الحياة اليومية. ومن بين هذه الأعراف المتجذرة تبرز “عادة الجيرة” أو “حق الجيرة”، كإحدى أرقى القيم التي تنظم العلاقة بين الجيران في الصحراء. وتعد هذه العادة من أهم الموروثات القبلية التي لا تزال حاضرة في وجدان البدو حتى اليوم. حيث يتمتع الجار بمكانة رفيعة، تحميه العادات وتحكمها مواثيق الشرف والكرامة.

أصل عادة الجيرة ومعناها

يقصد بـ”عادة الجيرة” أو “حق الجيرة” أن يمنح الشخص القادم إلى منطقة بدوية سواء كان غريبًا أو في ضيافة أحدهم الحماية الكاملة من أي أذى طالما أنه “جار” لأحد أبناء القبيلة. والجيرة لا تعني الجوار المكاني فقط، بل تمتد لتشمل من يطلب الأمان أو من ينزل ضيفًا عند أحدهم. فيصبح في حكم “الجار” أي في حماية صاحبه.

وتضرب الأمثال في المجتمع البدوي بكرامة الجار حتى قيل: “الجار جار ولو جار”. أي أن للجار حقوقًا واجبة حتى وإن أساء.

أشكال الجيرة في البادية

عادة الجيرة تتخذ أشكالاً متعددة، تختلف حسب السياق والحالة، ومنها:

  • جيرة الحماية (جيرة الله): وهي أن يأتي شخص إلى مضارب قبيلة ويطلب الجيرة من أحد وجهائها. فيقول “أنا بجيرتك” ويمنح فورًا الأمان والحماية من أي عدو أو ملاحقة حتى وإن كان خصمًا سابقًا.
  • جيرة النزول: حين ينزل أحد الغرباء عند إحدى العائلات البدوية ضيفًا. فهو يعامل معاملة الجار ولا يجوز لأي شخص من القبيلة أو خارجها أن يؤذيه.
  • جيرة المرأة: للمرأة أيضًا حق في منح الجيرة، وتعد “جيرة الحرة” أحيانًا أقوى من جيرة الرجال. حيث يحرج القبائل كلها المساس بمن “أجارته” امرأة لما في ذلك من دلالات عميقة على الشرف.

رمزية الجيرة في المجتمع البدوي

تحمل عادة الجيرة بعدًا أخلاقيًا وروحيًا، إذ ترتبط بمفاهيم الشرف، الكرم، حماية المستضعف، والتمسك بالعهد. فمن يجار عند أحدهم فكأنما دخل في حرم مقدس لا يمس. ويعتبر الاعتداء على “الجار” خرقًا صارخًا لأخلاق القبيلة ويعرض مرتكبه للعار وربما الطرد من القبيلة نفسها.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد الطرزي، الباحث في الشؤون القبلية في مركز دراسات البادية الأردنية: “الجيرة ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل هي عقد شرف له قدسية في الثقافة البدوية. ومن يطلب الجيرة يصبح في حماية تامة، ومساسه يعتبر خيانة أخلاقية كبرى”.

ولطالما تغنى الشعراء البدو بعادة الجيرة وحقوق الجيران. إذ يرى الشاعر البدوي أن الجيرة امتحان للفروسية والأخلاق. ومن أشهر الأبيات التي قيلت: “جارك لو إنه غريمك ما تهينه .. للي جاروه يقولون الرجال”.

وتعكس هذه الأبيات مبدأ أن احترام الجار واجب حتى إن كان خصمًا أو عدوًا في الماضي، لأن الجيرة تحرّمه على الأذى.

الجيرة في المواقف القبلية

كانت عادة الجيرة تلعب دورًا كبيرًا في فض النزاعات القبلية. إذ يمكن أن توقف حربًا بين قبيلتين إذا ما طلب أحد وجهاء الطرف المتنازع عليه “الجيرة” من وجهاء الطرف الآخر. فيقبل طلبه ويتم إنهاء الخلاف أو تأجيله احترامًا للجيرة.

وقد سجلت العديد من القصص الواقعية مثل قصة “جيرة الشيخ عودة أبو تايه” حين أجار أحد رجال القبائل المنافسة الهاربة من الثأر رغم العداء الشديد. وقال عبارته الشهيرة: “جارنا ما يهدد، ولو كانت عليه سبع دماء، ما دام بجيرتنا، ما حد يمد إيده عليه”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى