العطوة العشائرية.. هدنة اجتماعية تطفئ نار الثأر في المجتمعات القبلية
أسماء صبحي – في كثير من مناطق الشرق الأوسط، لا تزال العادات القبلية تشكل جزءًا أصيلًا من آليات إدارة المجتمع وحل النزاعات. خاصة في البيئات التي سبقت نشأة الدولة الحديثة أو عاشت طويلًا خارج مظلتها المباشرة. ومن بين أبرز هذه العادات وأكثرها حساسية وتأثيرًا، تبرز عادة “العطوة العشائرية” بوصفها نظامًا اجتماعيًا غير مكتوب يهدف إلى وقف التصعيد، واحتواء الأزمات، ومنح الوقت للعقل كي يتقدم على الغضب.
ما هي العطوة العشائرية؟
العطوة هي هدنة مؤقتة تمنح في حالات النزاعات الكبرى، لا سيما تلك التي تنطوي على القتل أو الإصابة أو الاعتداء الجسيم. ويقوم جوهر العطوة على تعليق أي أعمال انتقامية أو ثأرية لفترة زمنية محددة تمنح خلالها فرصة للتهدئة وبدء مسار الصلح. وتعتبر هذه العادة من الأعراف الراسخة لدى العديد من القبائل والعشائر في بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية والعراق.
لا تمنح العطوة تلقائيًا، بل تأتي نتيجة تدخل وجهاء وشيوخ عشائر يتمتعون بمكانة اجتماعية واحترام واسع. حيث يتوجهون إلى أهل المجني عليه بطلب رسمي لوقف التصعيد. وغالبًا ما يكون هذا الطلب مصحوبًا بتعهدات واضحة تضمن احترام شروط العطوة.
أنواع العطوة ودلالاتها
تتعدد أشكال العطوة بحسب طبيعة النزاع ومرحلة تطوره. فهناك عطوة أمنية تمنح فور وقوع الحادث وهدفها الأساسي حماية الأرواح ومنع ردود الفعل السريعة. وهناك عطوة اعتراف وتطلب عندما يقر الطرف المتسبب بالخطأ بمسؤوليته المعنوية عن الحادث حتى قبل صدور أي حكم قضائي. كما توجد عطوة صلح، وهي المرحلة التي تسبق الاتفاق النهائي بين الطرفين وتفتح الباب أمام التعويض أو الدية والتسوية الشاملة.
كل نوع من هذه العطوات يحمل رسالة اجتماعية واضحة مفادها أن الدم لا يقابل بالدم فورًا. وأن المجتمع القبلي يمنح مساحة للعدالة العقلانية بدلًا من الفوضى.
آليات تطبيق العطوة
عند قبول العطوة، تصبح ملزمة أخلاقيًا واجتماعيًا لكافة أفراد العشيرة وليس فقط أطراف النزاع المباشرين. أي خرق لشروط العطوة يعد انتهاكًا جسيمًا للأعراف، وقد يجر على مرتكبه عزلة اجتماعية أو نزاعًا أوسع مع العشائر الأخرى.
خلال فترة العطوة يمنع التهديد، أو الاعتداء، أو حتى الاستفزاز اللفظي وتدار الأزمة عبر الوسطاء فقط. وينظر إلى احترام العطوة بوصفه مقياسًا لشرف العشيرة ورجاحة عقلها لا ضعفًا أو تنازلًا كما قد يظن البعض.
العطوة بين العرف والقانون
رغم أن العطوة العشائرية لا تعد بديلًا عن القضاء الرسمي، فإنها كثيرًا ما تتعايش مع النظام القانوني. بل تسهم في تهيئة المناخ المناسب لتطبيقه دون انفجار اجتماعي. ففي مجتمعات يغلب عليها الطابع العشائري قد يسبق العرف القانون في ضبط الشارع وامتصاص الغضب، بينما يتولى القضاء لاحقًا مسار العدالة القانونية.
هذا التداخل خلق جدلًا واسعًا بين من يرى في العطوة صمام أمان اجتماعي يحمي السلم الأهلي. وبين من يعتبرها عائقًا أمام سيادة القانون إذا أسيء استخدامها أو تحولت إلى وسيلة ضغط على الضحايا.
في هذا السياق، يقول الدكتور مازن الحويطات، الباحث في علم الاجتماع العشائري، إن العطوة العشائرية ليست إجراءً شكليًا. بل هي أداة اجتماعية شديدة الأهمية ساهمت تاريخيًا في تقليل دوائر العنف والثأر. خطورتها لا تكمن في وجودها، بل في إساءة توظيفها. عندما تحترم بوصفها هدنة مؤقتة تمهد للعدالة، فإنها تلعب دورًا إيجابيًا بالغ التأثير في استقرار المجتمعات المحلية.



