عائلة الشموتي في القليوبية: سيرة عربية تجذرت في أرض الوطن وأضاءت طريق العلم والدين
أسماء صبحي – في قلب محافظة القليوبية، حيث تتداخل ضفاف النيل مع ملامح الريف المصري. تستقر قرية “الشموت” وهي من أقدم قرى مركز بنها وتعرف بتراثها الزراعي والديني والتاريخي العريق.
وتنسب إلى هذه القرية عائلة الشموتي التي حملت اسمها وخلدته في ميادين العلم والقضاء والدين. حتى غدت واحدة من أبرز العائلات ذات الجذور العربية القديمة في الوجه البحري. وكان لها حضور دائم في الأحداث الوطنية والمحلية منذ العهد العثماني وحتى الدولة الحديثة.
أصول عائلة الشموتي
ترجع أصول العائلة إلى جذور عربية قديمة، وقد استقرت في شمال مصر ضمن موجات الهجرات القبلية التي انتشرت منذ العصر الفاطمي. ثم تعزز وجودها خلال حكم الدولة العثمانية. وتعد قرية الشموت مركز ثقل العائلة، ومنها انتشر أفرادها إلى مناطق متفرقة داخل محافظة القليوبية وخارجها.
ويقول الدكتور عبد الحليم الفقي، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة بنها، إن عائلة الشموتي من العائلات التي حافظت على تماسكها الاجتماعي والعلمي. وكان لها دور كبير في نشر التعليم الأزهري التقليدي وتخريج عدد من كبار العلماء والخطباء والقضاة الذين أثروا الحياة الدينية والسياسية في دلتا مصر”.
عرفت العائلة بإنتاجها للعديد من علماء الأزهر الشريف، لا سيما خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ومن أبرز من أنجبتهم العائلة:
- الشيخ حسن الشموتي: من أوائل خريجي الأزهر في القليوبية. وكان خطيبًا للجامع الكبير في بنها، وعرف بفصاحته واعتداله الفكري.
- الشيخ محمد عبد الرازق الشموتي: أستاذ للفقه المالكي في الأزهر..وله عدة مؤلفات مخطوطة حول المقاصد الشرعية والتقريب بين المذاهب.
- محمود الشموتي: خطيب وواعظ معروف في الستينات. تولى الإشراف على العديد من المعاهد الدينية في القليوبية.
وقد ساهم أبناء العائلة في تأسيس عدد من الكتاتيب والمدارس القرآنية. ما عزز من مكانة الشموت كمنطقة ذات طابع علمي وديني في محافظة القليوبية.
دور عائلة الشموتي في القضاء والإدارة
في العصر الحديث، برز العديد من أبناء العائلة في السلك القضائي والإداري، من بينهم:
- المستشار عبد الغفار الشموتي: أحد رموز القضاء الإداري في مصر، وقد عرف بحكمته ونزاهته. وشارك في تطوير آليات الفصل في القضايا الإدارية بمجلس الدولة.
- الدكتور حامد الشموتي: وكيل وزارة سابق. وأحد واضعي لوائح تطوير المحليات في وزارة التنمية المحلية.
كما شغل أبناء العائلة مناصب قيادية في الهيئات المحلية والجامعات. وكانوا دائمًا عنصرًا مؤثرًا في توجيه السياسات التعليمية والاجتماعية في القليوبية.
الإسهامات الوطنية
لم تكتفي العائلة بدورها المحلي والديني، بل انخرطت في الحياة السياسية والمجتمعية على مستوى الوطن. ففي ثورة 1919، كان عدد من رموز العائلة من أوائل من دعموا الحراك الوطني ضد الاحتلال البريطاني. وشاركوا في تنظيم المظاهرات بمدينة بنها. كما أسهمت في دعم الجيش المصري في حرب 1973 من خلال حملات التبرع والمشاركة في اللجان الشعبية.
وتعرف العائلة اليوم بأنها من البيوتات ذات الحضور القوي في المناسبات القومية والدينية. حيث تحرص على تنظيم ملتقيات ثقافية سنوية بمسجد “الشموت الكبير”. والتي تستضيف نخبة من المفكرين وعلماء الأزهر.
قيم العائلة وثقافتها
تشتهر عائلة الشموتي بتمسكها بالقيم الريفية والعربية الأصيلة، ومنها احترام الكبار وتقدير العلماء، حب الأرض والزراعة رغم الانفتاح على الوظائف الإدارية. التشجيع الدائم على التعليم الديني والجامعي، والمحافظة على الروابط العائلية الممتدة.
ويقول الأستاذ عبد السلام عبد الفتاح، أحد شيوخ الشموت: “ما يميز العائلة هو توازنها بين الجذور الريفية والطموح الحضري. فالعائلة أنجبت الفلاح والمفكر والقاضي في آنٍ واحد، وما زالت تُخرّج أجيالًا تؤمن بالعلم والدين معًا”.
موقع قرية الشموت
تقع قرية الشموت شمال مدينة بنها، وتعد من أكبر القرى التابعة للمركز. ويتميز موقعها الجغرافي بربطه بين القرى الزراعية التقليدية والمجتمع الحضري في بنها. ما جعلها بيئة خصبة لنمو طبقة وسطى مثقفة، لعبت دورًا في تشكيل الشخصية القليوبية المعتدلة.
وتضم القرية اليوم عددًا من المدارس الحكومية، ومجمعًا أزهريًا، ومسجدًا كبيرًا تقام فيه الندوات الثقافية والدينية. إضافة إلى مركز ثقافي صغير تديره عائلات من أبناء الشموتي وغيرهم.



