تاريخ ومزارات

الأزاريطة.. حي عاش ألف حكاية بين المجد والعراقة وسحر المتوسط

وسط مدينة الإسكندرية، في المكان الذي تلتقي فيه نسمات المتوسط بنفحات الحضارة، يقف حي الأزاريطة كقطعة نادرة من الجمال، يروي حكايات العصور المتعاقبة التي مر بها هذا الجزء الفريد من المدينة.

تاريخ حي الأزاريطة

الأزاريطة حي ينبض بالحياة، يحتفظ بين أزقته القديمة بروح الملوك والعلماء، ويعود تاريخه إلى عهد البطالمة، حين اتخذ منه الملوك مقرا لهم، وشكل مركزا للمعرفة والثقافة، يشهد على ذلك ملامحه التي لم تندثر رغم تقلبات الزمن.

محمد علي باشا، الذي سعى إلى إحياء مجد الإسكندرية، اختار الأزاريطة ليؤسس فيه أول محجر صحي في مصر، اقتبس فكرته من النظام الفرنسي، وأطلق عليه اسم لازاريت، وهو الاسم الذي ارتبط قديما بمرضى البرص في أوروبا، ليكون هذا المكان نقطة استقبال للمسافرين القادمين من شرق البلاد، حيث خضعوا هناك للحجر الصحي قبل دخولهم المدينة.

المكان الذي كان مقرا لذلك المحجر، تحول لاحقا إلى مستشفى جامعي، ما زال قائما حتى اليوم، ويشكل رمزا لتحول الأزاريطة من مركز طبي بسيط إلى صرح علمي يخدم المجتمع بأكمله.

في العصر البطلمي، احتضن الحي مكتبة الإسكندرية القديمة والمجمع العلمي المعروف باسم الموسيون، وكانا بمثابة مشاعل حضارية تنير عقول العالم، لكن النيران التي أمر بها الإمبراطور أوريليان أحرقت هذه الرموز بالكامل، ودمرت ما بقي من معابد ومقابر ملكية، تاركة خلفها أطلالا تحكي مآسي الحضارة.

بالقرب من شاطئ المدينة، جرت أحداث معركة أكتيوم الشهيرة، التي ارتبطت بقصة الحب بين كليوباترا وأنطونيو، وانتهت بانتحار الملكة في واحدة من أكثر القصص مأساوية في التاريخ القديم، تاركة بصمة لا تُنسى في ذاكرة الأزاريطة.

خلال القرن العشرين، كان الحي مقرا للجاليات اليونانية والأجنبية، وازدهرت فيه التجارة والمحال، وكانت الموسيقى اليونانية تعزف بين جنباته حتى ساعات الفجر، إلى أن جاءت ثورة يوليو 1952، فغادر اليونانيون الحي، وتحولت بعض مناطقه إلى ورش يدوية وحرفية، بينما بقي الجزء المطل على البحر محتفظا بفخامته، حيث القصور والفيلات التي تعكس أناقة الزمن الجميل.

الأزاريطة اليوم حي لا ينام، يجمع بين سحر الماضي وتطور الحاضر، وتبرز فيه مكتبة الإسكندرية الحديثة كرمز لاستمرار الدور الثقافي، وتعد من أعظم المكتبات في العالم، بينما يقف مسجد القائد إبراهيم في الجهة الغربية شامخا، ويجاوره مسرح كوتة كواحد من أبرز المسارح المصرية.

عبر تاريخه الطويل، استضاف الحي أسماء لامعة في الفكر والفن، من أفلاطون وأرخميدس وهيباتيا، وصولا إلى يوسف شاهين، وما زالت مبانيه القديمة مزينة بأعمال معمارية إيطالية تعود للقرن التاسع عشر، ونقوش تحمل تواريخ البناء وأسماء المهندسين الذين تركوا بصمتهم فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى