القهوة السعودية: تقاليد الضيافة وحكايات الثقافة الممتدة من الصحراء للمدن
أسماء صبحي
القهوة السعودية أكثر من مجرد مشروب دافئ، هي مرآة لهوية شعب وتاريخ طويل من التقاليد والضيافة والكرم. تمتد جذورها من رمال الصحراء إلى أبراج المدن الحديثة. وبينما تتغير مظاهر الحياة اليومية، تبقى القهوة السعودية رمزًا ثابتًا في الثقافة الاجتماعية والخليجية. وتعبر عن الأصول والعادات وتجمع الناس حولها في المناسبات والأوقات اليومية على حد سواء.
بداية الحكاية
يعتقد أن القهوة دخلت الجزيرة العربية في بدايات القرن الخامس عشر، ووجدت في نجد والحجاز بيئة خصبة لانتشارها. حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من طقوس الضيافة السعودية، خاصة في المناطق البدوية. كما كانت تحمص وتطحن وتغلى على نار الحطب، وتقدم في دلال نحاسية أو فضية مع التمر في مجالس الشعراء والشيوخ والمضيفين، لتصبح لاحقًا من أهم رموز الكرم العربي.
وتقديم القهوة السعودية له طقوس دقيقة لا تعد مجرد روتين، بل تحمل دلالات رمزية قوية. ويبدأ المضيف بصب القهوة في الفنجان الأول لنفسه كتعبير عن الأمان، ثم يمرر الدلة للضيوف، بدءًا من الأكبر سنًا أو الأعلى مكانة. كما تقدم القهوة عادة في فناجين صغيرة دون مقبض، ويعاد ملؤها للضيف حتى يهز الفنجان بيده علامة الاكتفاء. وكل حركة، من طريقة الإمساك بالدلة إلى عدد الفناجين المقدمة، تعكس احترامًا متبادلًا وتقديرًا عميقًا للعادات.
مكونات القهوة السعودية
تحضر القهوة السعودية من حبوب البن العربي الأخضر (غالبًا من اليمن أو إثيوبيا). وتحمص بدرجات خفيفة إلى متوسطة، ثم تطحن ويضاف إليها الهيل بشكل أساسي. وغالبًا ما تنكه أيضًا بالقرنفل أو الزعفران أو المسمار، مما يمنحها طعمًا مميزًا ولونًا ذهبيًا يختلف عن الأنواع الأخرى من القهوة العالمية.
ورغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية، لا تزال القهوة حاضرة بقوة، سواء في المجالس التقليدية أو داخل البيوت العصرية. بل إن كثيرًا من المقاهي الحديثة في الرياض وجدة وأبها بدأت تعيد إحياء تجربة القهوة السعودية بطابع حديث يجمع بين الأصالة والابتكار. ما يعكس حرص الجيل الجديد على المحافظة على هذا الإرث الثقافي.
قائمة اليونسكو
وفي عام 2022، سجلت القهوة ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، في خطوة تؤكد أهميتها الثقافية وتبرز الجهود السعودية في الحفاظ على تراثها ونقله للأجيال القادمة. وهذا الإنجاز لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة لعقود من التقاليد المستمرة والتقدير المجتمعي لدور القهوة في الحياة اليومية.
القهوة السعودية ليست مجرد مشروب، بل قصة تروى في كل مجلس، ورسالة غير مكتوبة تقال من المضيف إلى ضيفه: “أنت مرحب بك، وأنت غالي”. وبين رائحة الهيل، وصوت الدلة، وصمت الفناجين الصغيرة، تتجدد كل يوم حكاية من حكايات الكرم العربي الأصيل.



