رغيف الانتقام.. كيف هز فتى بورسعيد عرش الاحتلال بقنبلة في الخبز

في صباح التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1956، استيقظت بورسعيد على أصوات الطائرات وقصف السفن الحربية، حيث بدأت قوات العدوان الثلاثي المكونة من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل هجومها الوحشي على مصر، لم تتردد المدينة في الدفاع عن نفسها، وخرج أهلها حاملين السلاح، فتحولت الشوارع إلى ساحات للمقاومة، حيث اشتعل حي المناخ بالنيران، وامتزجت دماء الشهداء بتراب الأرض، لكن عزيمة أهل المدينة بقيت قوية وثابتة.
كيف هز فتى بورسعيد عرش الاحتلال بقنبلة في الخبز
وسط هذه اللحظات الملحمية، ظهر شاب عمره ثمانية عشر عامًا يدعى سيد عسران، ولد في الخامس عشر من أبريل عام 1938 لأب من سوهاج وأم من كفر الشيخ، وعاش في أحياء بورسعيد البسيطة، فقد شقيقه في السادس من نوفمبر من نفس العام تحت جنازير دبابات الاحتلال، فاشتعل قلبه نارًا، ولم يكن يريد سوى أن يثأر له ولوطنه.
كان الهدف أمامه ضابط مخابرات بريطاني اسمه وليامز، عرفه الجميع بتصرفاته الوقحة، وكان يتنقل في الأحياء العربية بلا خوف أدار التحقيقات، وحمى العملاء، وبث الرعب في صفوف الأهالي، فتردد اسمه بين المقاومين كأنه لعنة تسير على قدمين، كما صار التخلص منه حلما يسكن قلوب الجميع.
في مساء الثالث عشر من ديسمبر، بدأ سيد تنفيذ خطته، وضع قنبلة في صفيحة قمامة قرب بيته، ومع فجر اليوم التالي، لفها داخل رغيف خبز اشتراه من فرن حسنين رشوان، حيث خرج للشارع يتظاهر بأنه فتى عادي يتناول فطوره، بينما الشوارع تعج بالدوريات البريطانية، كما توجه إلى إدارة المرور حيث شاهد وليامز يحقق مع بعض السائقين بحثًا عن معلومات حول اختفاء ضابط يدعى مورهاوس، ركز سيد عينيه على وليامز، وقلبه ينبض برغبة لا تهدأ.
لحق سيد سيارة وليامز حتى توقفت أمام شعبة البحث الجنائي، ووقف قريبًا منها ممسكًا بالرغيف، يحاول الظهور بشكل عادي في عيون الجنود، بعد لحظات، خرج وليامز مع ضابط آخر وركبا السيارة، تقدم سيد وهو يحمل ورقة صغيرة، تظاهر بأنها شكوى، اقترب من النافذة المفتوحة وألقى الورقة قرب دواسة السيارة، حين انحنى وليامز لالتقاطها، نزع سيد فتيل القنبلة وألقاها في السيارة، ثم ركض بكل ما يملك من قوة.
هز انفجار عنيف الشارع، وركض الناس مذعورين بينما تصاعد الدخان من داخل السيارة، أصيب وليامز في ساقه إصابة بالغة، وظل ينزف حتى لفظ أنفاسه الأخيرة بعد ثلاثة أيام، كما كانت ضربة موجعة لقوات الاحتلال نفذها شاب وحيد بلا دعم من أحد.
اتجه سيد مباشرة إلى غرفة قيادة المقاومة في قسم ثان، حيث كان يحيى الشاعر وكمال الصياد وسمير غانم يناقشون خطط اليوم، دخل عليهم دون سابق إنذار، وعيناه تملؤهما الدموع، سألوه باستغراب عن سبب قدومه، فروى قصته بكل حماس، شارحًا تفاصيل التخطيط والتنفيذ، كما سأله سمير بدهشة عن سبب بكائه، فرد سيد بصوت متهدج أن ما فعله لا يكفي للثأر لأخيه.
اقترب منه كمال، واحتضنه بمحبة، ثم طلب منه أن يختفي لبضعة أيام لحمايته، حيث حاول سمير أن يعطيه مكافأة بسيطة، لكنه رفضها بشرف، ونظر إليه بعين العتاب، ثم غادر المكان مرفوع الرأس، كما حمل رأسه عاليًا وقلبه ممتلئًا بالفخر.



